تأملات

أزمة كورونا الرائعة

“لا أدري ماذا سيحدث لمدونتي إذا لم أجدد الاشتراك. هل ستظل موجودة بعد عشرات أو مئات السنين؟ أم ستغلق ولن يستطيع اللاحقون قراءة ما كتبت؟”

هكذا فكرت وأنا أفتح جهاز الكمبيوتر لأكتب حول الأشياء الغريبة التي تحدث هذه الأيام، لتكون تأريخًا شخصيًا يطلع عليها من لم يكن قد أتى إلى الحياة قبل عام 2020.

بدأت القصة في بلادٍ بعيدة عنا آلاف الأميال، فيروس قاتل غزا بلاد الصين، وقتل الكثير هناك، ثم انتقل إلى إيطاليا وإيران. كنت أتابع أخبارًا متفرقة عن الحدث دون كثير اكتراث، حتى أعلنت الكويت وصول المرض إليها عبر مواطنين كويتيين كانوا في زيارة أو ربما سياحة دينية لإيران. هنا اقترب الحدث كثيرًا، وما هي إلا أيام حتى أُعلن عن وجود حالات مؤكدة إصابتها في المنطقة الشرقية بالمملكة. ولما سألت طبيب طفلتي ماذا أفعل لأقيها من المرض، قال: الزمي بيتك!

تفاؤل غير واقعي

ما الذي يحدث في العالم؟ لا أدري. أحيانًا أشعر كأني في حلم، أو فيلم، وأفكر أحيانًا أن كل ذلك بعيد عني ولن يصيبني ومن أعرفهم وأحبهم. يسمي علماء النفس ذلك “التفاؤل غير الواقعي” والذي يعتبر ميكانيزم دفاعي إنكاري لخفض القلق، ونزعة للأنانية تدفع الأفراد للتقليل من احتمالات وقوعهم في الخطر، بينما يعتقدون في وقوع الخطر والأحداث السيئة للآخرين دونهم.

عند بداية وصول المرض، ورغم تفاؤلي غير الواقعي، حاولت منع أولادي التوأم من الخروج من المنزل، عمر لم يعجبه الأمر، وبدأ يناقش ويفاوض على الذهاب للمسجد ولعب الكرة في الحديقة. أحترم نمط حياة عمر كثيرًا، فهو شخصية حساسة ومهتمة بالآخرين، كان يعاني في بداية مراهقته من الفراغ، أخذ وقته ليفهم الأمر بالضبط وقرر أن يؤسس لنفسه روتينًا يوميًا، يصبح أكثر مرونة أثناء الإجازة الأسبوعية. على فكرة، لقد اكتشفت من متابعتي لمسلسل داونتن آبي (Downton Abbey)أن فكرة الإجازة الأسبوعية فكرة حديثة، إذ كان العمال قديمًا يعملون طوال الأسبوع، بينما كان النبلاء يعيشون في إجازة دائمة. أعود لعمر، فقد أسس روتينه الخاص الذي يتضمن المذاكرة حتى العصر، ثم الرياضة بعد صلاة المغرب، ثم الاستحمام ثم قراءة القرآن ثم متابعة حلقة من مسلسل، والنوم في وقت محدد. عدا عن الصلوات التي يصليها في المسجد وقد يجتمع ببعض الأولاد من سنه هناك يتحدثون قليلاً قبل العودة للبيت. ولأنه وهاشم مصابان بمرض السكر من النوع الأول، فقد قررت اتباع التعليمات، وطلبت منهما عدم الخروج إلا للحاجة. وفي أول جمعة، بعد إغلاق المدارس، منعتهم من الذهاب للصلاة، فجادلوا وناقشوا وذكروني بحكم تارك الجمعة حتى صدرت يوم الخميس فتوى العلامة ابن بيه وهيئة كبار العلماء جزاهم الله خيرًا يرخصون فيها بعدم حضور الجمعة والجماعة لكبار السن ولمرضى ضعف المناعة، هنا رضخا وقررا الامتثال لأمري وأداء صلاة الظهر في البيت.

أكثر جدية

أنا بدوري لم أكن أخرج إلا للضرورة، بينما لا زال الأهل يتزاورون ويلتقون في يومهم الأسبوعي كعادتهم، لكني رأيتُ أن من الأفضل أن أتجنب كل ذلك، حتى بيت والدي فضّلتُ ألا أزوره حتى تتضح الأمور وتنجلي الغمة. في داخلي شيء يقول أنت تبالغين قليلاً، ويرد ضميري بحزم قائلاً: أنت مسؤولة تجاه أبنائك وعائلتك، وهذا دورك الذي يجب أن تقومي به بغض النظر عن إيمانك بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. ذهبت للسوبرماركت لشراء مقاضي الشهر مع زيادة طفيفة، وكنت بحاجة لشراء ملابس لطفلتي ذات الستة أشهر، وكل يوم يحدث ما يجعلني أؤجل الخروج، إلى أن قررت أن الوقت ليس في صالحي، فجميع ملابسها أصغر من عمرها، وكانت الإجراءات التي تتخذها الحكومة تشتد يومًا عن الثاني حتى لم أعد أتذكر هل أغلق الطواف في الحرم بعد قرار إغلاق المولات والمجمعات التجارية أم قبله. في اليوم الذي تيسر لي فيه الخروج، وعند انطلاق السيارة وردني اتصال من رقم غريب، أجبت فإذا هو السيد جمال من مكتبة جرير يبلغني أن كتاب ” أزمة منتصف العمر الرائعة ” الذي طلبتُه قبل أيام وصل، وعلي أن آتي لاستلامه في أقرب فرصة، قلت له سأحاول المرور اليوم بإذن الله. وصلتُ للمحل واشتريت ملابس لطفلتي للستة أشهر القادمة، وبينما كنت أسدد قيمة ما اشتريت كانت البائعات يهمسن بأنه تم إخراج الناس من مول قريب لاشتباههم بوجود حالة هناك، وما هي إلا لحظات حتى صدر أمر بإغلاق جميع المجمعات التجارية والمولات. غادرتُ المحل مسرعة إلى مكتبة جرير، استلمتُ كتابي واشتريتُ كتابًا لطفلتي، وأثناء دفع الحساب أتى المشرف وأعطى البائع قفازات بلاستيكية منبهًا له كي يرتديها قبل استلام البطاقة مني، هنا سألتُ البائع: هل ستغلقون أنتم كذلك؟ أجاب بحماس: نعم، هذا أحسن قرار صدر، الدوام تعب، خاصة الصباح، كل يوم أجي متأخر! ابتسمت لرده مع بعض التعجب، فموظفي مكتبة جرير عادة يتسمون بالرصانة. أخذتُ أغراضي وعدتُ للمنزل مدركة أن الوضع أصبح أكثر جدية.

أيام طويلة

5 حالات جديدة، 17 حالة، 48، 115 حالة إضافية، أكثر من 560 حالة خلال أقل من شهر، كل يوم تكتشف حالات جديدة. مُنعت الصلاة في المساجد، ونادى الأئمة بعد كل أذان “صلوا في بيوتكم”، وجميع أجهزة الدولة وعلى رأسها وزارة الصحة ممثلة بالدكتور توفيق الربيعة يناشدون بالتزام المنازل وعدم الخروج إلا للضرورة، التزم البعض، وتساهل البعض حتى صدر بالأمس قرار حظر التجول الإجباري لثلاثة أسابيع من الساعة 7 مساء وحتى السادسة صباحًا مع فرض الغرامة أو السجن لمن يخرق الحظر. سألت زوجي هل جربت من قبل حظر التجول؟ قال أنه عندما كان في السادسة عشرة من عمره بدأت الحرب ضد الحزب الشيوعي في عدن، وتم فرض حظر التجول لمدة أسبوعين كاملين، نفدت من بيتهم المياه، فتسلل هو وأخوه أكثر من مرة لجلب المياه من البحر، إذ كانت والدتهم تقوم بتبخيرها وتكثيفها للتخلص من الملح فيستطيعوا شربها. ولما سمعوا بوجود بئرٍ قريبة، حملوا ما استطاعوا حمله من أباريق كبيرة وقدور لملئها بالماء، وبينما هم ذاهبون إذ قابلوا مجموعة من أهل حيهم في طريق عودتهم بعد أن فجر الأعداء البئر وقتلوا العشرات ممن كانوا ينهلون منها.

قيل لي مرة أن السنة تكون طويلة عندما تكون حافلة بالأحداث المثيرة والمهمة. رغم أننا قابعون في منازلنا إلا أنني أشعر أن هذه الأسابيع القليلة كانت طويلة جدًا. فكل يوم يمر يحمل لنا أخبارًا جديدة. ليس بالضرورة سيئة، فاليوم كان عدد الحالات الجديدة 51 بعد أن كانت 115 بالأمس. ولعل الأخبار القادمة تكون مبشرة بانفراج الأزمة وانحسارها.

أشياء مهمة

بدأ الناس في نشر توصياتهم للأفلام والكتب، وتبادل الاقتراحات لتمضية الوقت أثناء البقاء في المنزل. وطرحت الأسئلة على وسائل التواصل الاجتماعي على غرار “ما أول شيء ستفعله فور انقشاع الأزمة؟”. أولادي يحملون هم الاختبارات النهائية، وابنتي تتمنى لو تذهب للجامعة لتلتقي بصديقاتها، وأنا أفكر هل سنتمكن من القيام بنفس الطقوس في العيد من زيارة الأهل واستقبال الأحباب في منازلنا؟ كلٌ منا لديه شيء يتطلع إليه، لكنني أفكر كذلك: ماذا لو لم تعد الدنيا كما كانت؟

قبل شهرين كنت سأشتري فستان من أحد المواقع الأجنبية، وقضّيت للعيد بالمرة. والآن أتساءل هل كنت سأراجع نفسي لو علمت أن هذا سيحدث؟ ولمن نوت أن تجري عملية تجميل قريبًا؛ هل لازلتِ عند رأيك؟ وإذا لم تكوني كذلك؛ ما الذي تغير وبماذا تفكرين؟

أظن أن الأشياء المهمة اليوم ليست هي نفسها قبل شهر. ومن يعيش في المدينة اليوم، كمن يعيش في القرية، لا فرق، بل ربما من يسكن القرية، يملك مساحة أوسع ليستنشق هواءً أكثر نقاء من هواء المدن المزدحمة. من يعمل في بيئة عمل غير مريحة، ربما سيدرك ذلك اليوم، ومن اعتادت الخروج من المنزل ستتعلم أن تجد متعتها فيه. سيميل الناس للتواصل المباشر هاتفيًا بدلا من الرسائل، وستعود الأسرة للاجتماع بعد أن كان كل فرد فينا ملهيًا بنفسه. أما الأشجار والحشائش فستنمو ثانية، وستملأ الأسماك مياه البحر، لقد انتعشت الأرض وامتلأت بالحياة من جديد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: