ألغاز بشرية

كذبات ريما البيضاء

الكذب كما علمتنا والدتي فعل دنيء، وصاحبه يسقط من عينها وتفقد ثقتها فيه إلى الأبد. ومثلها كنتُ لا أستطيع تخيل السبب الذي يجعل شخصًا ما يكذب، وعندما أصبحتُ في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي أخبرتني صديقتي أن بداخل بذرة المنجا مجوهرات ثمينة، فمرة وجدَت فيها خاتم، ومرة حلق، ومرة قلادة مرصعة بالجواهر الملونة. لم أشك في صدقها، وعند أو ل حبة منجا تناولتُها بعد معرفتي لهذا السر، أحضرت السكين وحاولت شق بذرة المنجا لأستولي على حصتي من الحلي والمجوهرات، حنقت والدتي من تصديقي لهذه الكذبة الفاضحة وحاولت إثنائي عن شق البذرة دون فائدة، فلماذا تكذب ريما؟ ولماذا تجعلني أشق بذرة منجا قاسية بدون فائدة؟ ما مصلحتها في ذلك؟ حاولت وحاولت حتى استطعت شق البذرة بعد عناء شديد، ولم أجد قلادة ولا خاتمًا ولا حتى فصًا واحدًا، لم أجد إلا قطعة سوداء ملساء كالحجر.

في أحد أيام الإجازة الصيفية تلقيتُ منها اتصالاً على هاتف البيت لتخبرني أنها الآن في تركيا، تتزلج على الجليد مع أبناء خالتها. أخبرتني أمي بحنق أن ريما هذه كذابة، فهل يعقل أن تتحمل طفلة في الصف الخامس الابتدائي تكلفة مكالمة طويلة من اسطنبول إلى جدة لأجل أن تتسلى مع صديقتها؟! توالت كذبات ريما التي كنت أصدقها دون ذرة شك، كانت شخصية غريبة تحكي لي عن زوج والدتها وعن أبناء خالتها وقصص الحب البريئة، عن سفرها للنمسا أو القاهرة، لا أدري ربما كانت حكاية زوج والدتها أيضًا كذبة ضمن الكذبات الكثيرة، خطر لي ذلك الآن وأنا أكتب هذه التدوينة. الله يسامحك يا ريما. لكنها كانت شخصية مسلية ومثيرة للخيال والتأمل. في يوم تسليم شهادات الصف الخامس، ارتدت ثوبًا جميلا يشبه الزي الشعبي للسيدات في النمسا، فستان متوسط الطول بقماش مورّد، مع مريلة ملونة مربوطة حول الخصر، عدتُ للبيت وأنا مفتونة بما رأيت، وشرحتُ لأمي تفاصيل الثوب بإعجاب، بعدها بأيام تفاجأتُ بثوب أبيض ذي ورود بلون الحبحب، مع أزرار أمامية ومريلة بنفس لون الورود البطيخي خاطته أمي على مقاسي، وإلى الآن لازلت أتذكر سعادتي بالثوب كأنها بالأمس.

انقطعت علاقتي بريما عندما انتقلت للمرحلة المتوسطة، ثم لمحتها فجأة عند بوابة الجامعة، فتاة فارعة القوام، بُنّية الشعر، سرحتهُ كجديلة طويلة تمتد خلف ظهرها. شككت هل هذه ريما أم لا؟ مررتُ بجانبها وقلت ريما، على أمل أن تلتفت ويكون تخميني صائبًا، وفعلا التفتت لي وسألتها: أنت ريما الفلانية؟ أجابت بنعم، ذكرتُها بنفسي لكني أظنها لم تتذكرني، فقد كانت تبدو مشتتة الذهن ذلك الوقت، حزنتُ قليلاً لكنني نسيت الأمر، ولم ألتقيها إلى هذا اليوم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: