أسلوب حياة

تشرب شاي؟

كنت أعمل لدى مدير مدمن للقهوة. كان يطلب من العامل صنعها له، وما أن يتذوقها حتى يمتعض ويصيح بالعامل قائلا أنه حتماً ترك علبة القهوة مفتوحة، فذلك واضح من طعمها. ينكر العامل ذلك ويصر مديري على كلامه، ثم يحضر في اليوم التالي علبة قهوة جديدة ويؤكد على العامل أن يحكم إغلاقها في كل مرة يصنع فيها قهوته.

كنت أشك في إصابة مديري بمرض الوسواس القهري، وعندما أصبح رأسي يؤلمني في نهار رمضان لأنه يفتقد كوب الشاي الصباحي، أدركتُ أنني أصبحتُ مثله، لكن وسواسي أنا يتعلق بالشاي. فأنا مؤمنة أن الشاي الأحمر يُطبخ في الوعاء الذي يصب فيه الماء ليمتزج بالشاي، وأن بعض الأكواب رديئة الصنع تقلل من جودة الشاي الذي يُطبخ بها، وعندما أشتري كوبًا جديدًا أختبر جودته بشاي الصباح. قبل مدة اشتريتُ كوبًا جديدًا ب17 ريال، ثم قبل أسبوع اشتريتُ كوبًا آخر من إيكيا ب3 ريالات، حزروا ما حدث؟

الكوب الأول اشتريتُه عندما قررتُ قطع السكر الأبيض واستبداله بسكر ستيفيا، وعزوتُ عدم استمتاعي بطعم الشاي لكونه خالٍ من السكر، لكنني لما استخدمتُ الكوب أبو 3 ريال، تحسن طعم الشاي بشكل مفاجئ، صحيح أن طعمه بالسكر أفضل، لكن كوب إيكيا حسّن طعم الشاي بنسبة 25%.

STELNA كوب, زجاج شفاف, 23 سل

في مسلسل “طيف اسطنبول” التركي، تقول مريم أن صاحب البيت الذي تنظفه علمها شيئًا بخصوص القهوة، وهو أنه يجب عدم صب الماء عليها فور غليانه، وإنما عليها الصبر قليلا ثم صب الماء كي لا تُلسع القهوة ويتغير طعمها. لا أفهم كثيرًا في القهوة لكنني أعرف أن هناك طقوس ومعتقدات يؤمن بها أصحاب الكيف ويطبقونها على كوب الشاي أو القهوة ليحصلوا على الطعم الذي يعدل مزاجهم. وعندما نشرب مشروبنا المفضل على غير ما اعتدنا فإن التغير في الطعم يفسد علينا يومنا، بالنسبة لي شاي الصباح هو الوقت الوحيد الذي أشرب فيه الشاي، ولا أريد لمتعتي اليومية أن تفسد بأي شكل من الأشكال.

شاهدتُ على يوتيوب مقطعًا بعنوان “قصة القطيع الذي شرب القهوة”، يتحدث عن تاريخ القهوة ويوضح الفرق بين أنواع القهوة المختلفة، فالقهوة سريعة التحضير هي قهوة تم تحضيرها بالفعل، ثم يتم تبخيرها وتعبئة خلاصة التبخير في عبوات القهوة سريعة التحضير، والتي إن سكبت عليها ماء ساخن أو بارد فإنها ستتحول لقهوة، لأنها في الأصل خلاصة قهوة محضرة سلفًا. وهذا ذكرني بشاي الكرك سريع التحضير الذي لا يعجبني بالمناسبة ولا أستسيغ طعمه.

في سريلانكا رأيتُ مزارع الشاي، ورأيتُ العاملات يقطفن أوراق شجر الشاي ويضعونها في قفة معلقة خلف ظهورهن. كما زرتُ مصنع الشاي هناك ورأيت عمليات الفرز والتنظيف والتغليف، وانتهت الجولة بتجربة أنواع مختلفة من الشاي. تعلمتُ أن هناك 3 أنواع للشاي: الشاي الأسود أسفل الشجرة، ثم الأخضر، ثم الأبيض ويقع أعلى شجرة الشاي وهو الأغلى والأقوى من بينها. لم أجربه فأنا راضية بالشاي الأسود. كان الشاي في كل الفنادق التي نزلنا بها هناك ممتاز وعلى كيفي. ثم وجدت في سوبرماركت بنده شاي ديلما الذي كانت تستخدمه أغلب فنادق سريلانكا وقتما كنتُ بها، مكتوب على كل دلاية أن عليك أن تسكب الماء الساخن وتنتظر من 3 إلى 5 دقائق قبل أن تشرب الشاي. وهذا ما أفعله، ولا أفهم كيف يخرج بعض الناس الدلاية من الكوب فور أن يتلون الماء بلون فاتح ويشربونه خفيفًا جدا! كل ذلك التعب في قطف الشاي وتنظيفه وفرزه وتغليفه، ألا يستحق معاملة أفضل؟

قبل أيام وقعت بالصدفة على متجر توليفة، وكان مما شفى نفسي وأبرأ سقمها أن وجدتُ أخيرًا من يحتفي بالشاي كما يجب. فبعد أن أغلق المشهى الوحيد في جدة، أصبحنا نحن أهل الشاي بلا صاحب كما يقول طلال في أغنيته:

“ما تقول لنا صاحب

فينو زمان غايب

نسأل عليه واجب

كان العشم أكبر”

تيانا كان مشهى يحتفي بالشاي على الأصول، طقوس الشاي في تي يانا كانت ممتعة حقاً، حيث يصنع النادل الشاي أمامك باستخدام صانعة الشاي، مع وضع ساعة رملية مزودة بثلاثة تواقيت 3،4 و5 دقائق، يشير النادل إلى الساعة التي تناسب نوع الشاي الذي اخترته، ثم تقوم أنت أو النادل، بعد انقضاء الوقت المحدد، بضغط أعلى الإبريق ليمتزج الشاي جيداً ثم يُسكب في الفنجان المصمم بطريقة خاصة بحيث لا يمكنك الشعور بحرارته من الخارج من أي جهة كانت، مثله مثل الإبريق الزجاجي أو صانعة الشاي كما يحلو لأهل تي يانا تسميته. احتفال الشاي التقليدي في تيانا كان لتأخذوا وقتكم، تلمسوا، تتعرفوا، تكتشفوا ثم تتذوقوا الشاي. هل هناك أرق من هكذا احتفالية لمشروب تشعر تجاهه بكل هذا الشغف؟

قبل مدة بسيطة أطلقت باجة منتجها الجديد في الأسواق، فبعد أن كانت المكسرات تخصصها، توجهت لتعبئة الشاي في أكياس أو دلايات مثل أنواع الشاي التجارية الأخرى، لم أجرب الشاي الأحمر، وأعتقد أن التغليف لم يعجبني ولم يشدني لتجربة ما بداخله، عدا عن أنني مرتاحة مع شاي أحمد الذي جربتُه مؤخرًا وأعجبني مذاقه، رغم أن عدم وضعي للسكر يؤثر على الطعم لكنني حاليًا قانعة به. في متاجر باجة حضرتُ أمسية تذوق لأنواع الشاي المتوفرة لديهم، وأعجبتني الفكرة لدرجة أن باجة أصبحت من العلامات التجارية التي أحبها. أحبها كعلامة بغض النظر عن المنتج، مثلما أكره ماركة آبل وأفضل استخدام الآيفون، فالعلامة التجارية عندي مختلفة عن المنتج رغم أنهما وجهان لعملة واحدة.

وعلى ذكر العلامات التجارية والصورة الذهنية، أعترف أن استمرار القهوة في كسب النقاط ضد الشاي لا يعجبني. كل يوم مقهى جديد، ومتجر إلكتروني متخصص جديد، ومنتج قهوة جديد، وطوابير محبي القهوة تنتظر من أجل كوبٍ ساخن تأخذه على عجل، ثم ترشفه على مهل!

لا يعجبني كل ذلك، لكنه من جهة أخرى مريح نوعًا ما، لماذا؟ لأننا نحن عشاق الشاي نريد ألا يزاحمنا الناس على كيفنا ومزاجنا. أن نشرب كوب الشاي في بداية يومنا، بطقوسنا المعتادة، وبدون تدخل ولا زبرقة ولا بهرجة ولا فلسفة زايدة.

نعم؛ القهوة للمثقفين ورجال الأعمال.

والشاي للمدقدقين، للكادحين، ولعامة الناس.

9 تعليقات

  1. منشووور مريييح جدا.. خصوصا قولك “لكنه من جهة أخرى مريح نوعًا ما، لماذا؟ لأننا نحن عشاق الشاي نريد ألا يزاحمنا الناس على كيفنا ومزاجنا. أن نشرب كوب الشاي في بداية يومنا، بطقوسنا المعتادة، وبدون تدخل ولا زبرقة ولا بهرجة ولا فلسفة زايدة.” دمت بخير شكرا على المشاركة.. 💕

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: