أسلوب حياة

ابحث عن فضولي

من يصدق أن الفضول يمكن أن تكون صفة حميدة؟

قبل أسابيع وبعد نشر بودكاست الرفيق الغائب بأيام، وصلني اتصال من إحدى صديقات الجامعة تخبرني أنهن قررن اللقاء وتود مني أن أحضر. فكرت أنك عندما تكون منفتحًا على الفرص ومستعدًا لها فإنها هي التي تطرق بابك. وهكذا التقيت بتلك المجموعة من بنات الجامعة، كنا تسعة، بعضهن لم ألتقي بهن منذ أكثر من خمس سنوات، وكان آخر عهدي ببعضهن من أيام الجامعة، يعني 15 سنة تقريبًا. اقترحت واحدة منهن الترتيب للقاء على الكورنيش، فطلبت من أحد منظمي الجلسات تجهيز مساحة أمام الكورنيش بالكراسي الأرضية وضيافة القهوة والشاي، بينما ساهمت كل واحدة منا بما جادت به نفسها من أطباق الحلويات أو الموالح. كنتُ متخوفة من أن تكون الجلسة غير لطيفة، لكني قلتُ لنفسي أنني إن لم أذهب فلن أعرف أبدًا، وربما أفوّت على نفسي تجربة جميلة وصحبة طيبة أنا بحاجة لها هذه الأيام.

كان عيد ميلادي الثاني والأربعين قبل أيام قليلة، لم أفكر في شيء محدد لذلك اليوم، لكن الأقدار هيأت كي تزورني ابنة خالتي بصحبة ابنتها. ففرحتُ بزيارتهما وقضيتُ وقتًا طيبًا معها، انتهى بأن أوصلتُهما للبيت، ثم عدتُ مع ابنتي في رحلة ليلية هادئة بالسيارة.

في اليوم التالي جلستُ أتفكر في حياتي القادمة، يصعب علي تخيل مستقبل مختلف عن حياتي، وكلما فكرتُ فيه إذا بي أحشر حياتي الحالية معه بدون إضافة جذرية أو تحول مهم. لكنني فكرتُ أنني لو تعاملتُ مع الأسابيع كل واحد على حده فسأحرز تقدمًا على مستوى العادات والتفاصيل اليومية الصغيرة، والتي تحدث تغييرات كبيرة على المستوى البعيد. فكان من ضمن ما قررتُ إضافته هو التواصل مع شخص لم أتواصل معه منذ مدة طويلة. أخبرتُ صديقتي المقربة بخططي فذكرت لي مصطلحًا جديدًا علي، وهو مصطلح “المحادثات الفضولية- curiosity conversations”. فكانت مهمة من ضمن المهام التي أبحث فيها للأيام القادمة.

من يصدق أن الفضول يمكن أن تكون صفة حميدة؟

طوال عمري وأنا أعرف أن “اللقافة قرافة”، و”عجوز ماتت من الفضول”، و”من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”. حتى أن النبذة التعريفية البسيطة لحسابي الشخصي على إنستجرام تضمنت هذه العبارة : “أقدر الناس اللي ما لها في الناس”. فماذا حدث؟

“المحادثات الفضولية- curiosity conversations” هي مصطلح من ابتكار برايان جريزر منتج الأفلام الأمريكي، ومؤلف كتاب “عقل فضولي”. يقول جريزر أنه خلال خلال الأربعين عامًا الماضية كان يبحث عن الأشخاص الذين يشعر بالفضول تجاههم ويسأل عن إمكانية الالتقاء بهم لمدة ساعة، دافعه الوحيد أن يتعلم شيئًا منهم يوسع عقله ويغير فهمه للعالم. من المهم لجريزر أن يكون هو كذلك مفيدًا للشخص الذي يلتقي به، لذا وقبل كل لقاء، يستعد له جيدًا بالبحث عن مجال عمل الضيف، واهتماماته، وتحضير أسئلة تحث على التفكير، وإحضار هدية بسيطة يتوقع أن يجدها ضيفه مفيدة أو ممتعة. كما يؤمن أن التعجب والانفتاح والاهتمام الصادق هو وقود المحادثات الفضولية الناجحة.

للفضول ستة أنواع صنفها العلماء كالتالي:

  1. الفضول الإدراكي (الرغبة في المعلومات أو الحقائق الفكرية)
  2. الفضول المعرفي (الرغبة في اكتساب الخبرات من خلال الحواس)
  3. الفضول المتباين (البحث بنشاط عن مصادر متنوعة للحداثة والتحدي)
  4. الفضول الحسي (تسعى بنشاط للحصول على الأحاسيس والمحفزات الجديدة)
  5. الفضول الشخصي (الرغبة في الحصول على معلومات جديدة عن الناس)
  6. الفضول العاطفي (رغبة الشخص في اكتشاف المزيد عن تجارب شخص آخر ومعرفة كيف سيكون شعور العيش من خلال تلك التجارب نفسها).

ومن هذه الأنواع أدركتُ أن خبراتنا حول الأشخاص الفضوليين تنحصر في نوع واحد من الفضول وهو الفضول الشخصي، وليس أي فضول شخصي إنما ذلك النابع من الرغبة في المعرفة من أجل تداول الأخبار وشهوة الحديث عن الآخرين، لا من باب التعلم واكتساب الحكمة والرغبة في التطور الذاتي. وهو فضول مذموم بلا شك، بعكس أنواع الفضول الأخرى.

قبل مدة كنت أفكر بنفس طريقة جريزر حول المحادثات الفضولية، لكنني لم أستطع تنفيذ الفكرة لوجود كثير من العوائق الداخلية والخارجية، فوجدت أن من الأسلم التغاضي عن هكذا أفكار، واستبدالها بالاستثمار فيمن أعرفهن بالفعل.

قرأت ووجدت بعض الأفكار التي تساعد في تقوية علاقتك بمعارفك كي تصبحوا أصدقاء مقربين:

  • أسهل طريقة هي رفع سماعة الهاتف وطلب اللقاء في مقهى أو مول.
  • ركّز جهودك على الذين يستجيبون لك، أما الذين يعتذرون في كل مرة فتجاوزهم حاليًا.
  • توقف عن القلق بشأن الانطباعات التي يكونها الناس عنك، وتصرف على طبيعتك.
  • نية الانفتاح على الآخرين والرغبة في تكوين صداقات مهمة لجذب أشخاص يشبهونك.

وعرفت أن هناك نوعين من المحادثات:

الأول: الحديث حول الأمور العامة مثل الطقس وآخر مسلسل تتابعه وأخبار الشبكات الاجتماعية. وهذه غالبًا تبقي علاقتك سطحية.

الثاني:  أن تتعرف عليه شخصيًا، كيف حاله؟ هل هو سعيد في عمله؟ ما هي تطلعاته؟ وما الذي يحفزه؟ وما هي أهدافه وأحلامه؟ قصته وتاريخه؟

فإذا كان الشخص جادًا في بناء صداقة حقيقية معك، فسيشارك هذه المعلومات ببساطة وانفتاح. ومن هنا تتكون العلاقات العميقة التي نسعى إليها.

إذا كنت مثلي ومثل جريزر، فابحث عن فضولي بداخلك، إذ ربما حان الوقت للتقدم خطوة للأمام، والتعرف على أشخاص جدد. يتحدث جريزر عن بداية تطبيقه للفكرة، فيقول في لقاء على يوتيوب:

“كنت دائمًا طفلاً فضوليًا. وكانت جدتي سونيا تقول لي دائمًا: “أنت مميز جدًا. ستكون ناجحًا للغاية. فكر بشكل كبير. كن كبيرًا.” وعندما كنت صغيرًا، كنت أقرأ – لكن كان الأمر صعبًا جدًا بالنسبة لي. كنت أرى التقارير المدرسية تزينها علامات “ضعيف وراسب”، وأقول لنفسي: “لا يوجد دليل على أنني سأكون ذلك الطفل المميز الذي تعتقد جدتي أنني سأكون عليه.” لم أرغب في تحطيم قلبها، لذلك واصلت البحث بشكل أعمق ، وطرح الأسئلة والتطور كشخص.

وعندما تخرجت من الكلية وأدركت أنني لم أتعلم الكثير باستثناء كيفية الحصول على درجات جيدة. قررت أن ألتقي بهذا البروفيسور الشهير بجامعتي. أرسلت له رسائل واتصلت بمساعده ولم أتلق ردًا، لذلك قررت الانتظار خارج القاعة التي يدرس بها، وطلبت منه إعطائي 10 دقائق من وقته. قال حسنا. تمكنت من تحويل القهوة التي تستغرق 10 دقائق معه إلى ساعة ونصف، كانت التجربة أبعد من أي شيء كنت أتخيله على الإطلاق من حيث التعلم والنمو العاطفي والفكري والحكمة، شعرت بقيمتي كشخص أكبر بعد أن أمضيت الوقت مع هذا الرجل. وكانت تلك هي اللحظة التي قررت فيها البدء في إجراء محادثات فضولية.”

في ذلك اللقاء بصديقاتي، وبينما كنت أتأملهن وهن يتحدثن عن دخولهن القريب لسن الأربعين، فكرتُ أن هؤلاء هن سيدات المجتمع الجديدات، وشعرتُ بالرضا الممزوج بالسعادة للفكرة. وحمدتُ الله أنني أجبرتُ نفسي على الذهاب رغم إحساسي بالتعب ذلك اليوم. فقد تأكدتُ أن مخاوفي كلها لم تكن حقيقية، وأن انكفائي على داخلي ليس صفة أصيلة فيني، بل وتتجدد طاقتي وحيويتي كلما التقيتُ صحبة طيبة آنس بها.

*أنا الآن أبحث عن الفضولي بداخلي، فإذا كنتِ من أهل جدة وتودين اللقاء معي حأكون سعيدة جدًا 🙂 تواصلي معي عبر الإيميل لنرتب للقاء خفيف في أقرب فرصة:

rifaqtravel@gmail.com

8 تعليقات

  1. مقالة لطيفة و ماتعة، و العنوان جذبني مثل المغناطيس، لو كنت في جدة كنت لقيتك، لقاء من هو أكبر مني و يقدر فضولي نحو معارفه شيء رهيب و استثنائي جدًا هنا🌻😅

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: