تميمة

في الأيام الماضية مررت بتجربة كل ما أستطيع قوله عنها هو أنها تجربة فاخرة. ما أكثر ما أنسى، لكنني نسيت هذه الأيام لذة الحياة الواسعة. لذة أن تعيش وأنت تحلم “على كبير” مثل ما يقول أهل مصر، أي تحلم وتخطط لأمور كبيرة وعظيمة بلا حدود. تخطط وتعمل وتبني فريقًا وتصرف أموالاً، وتنشئ علاقات وتتجاوز عقبات أملاً في تحقيق حلمك الكبير. لا تخشى لومة لائم، ولا تقلبات الدهر، ولا ضيق الوقت، ولا المخاطر ولا التحديات ولا التعقيدات كبرت أو صغرت.

تذكرت أيام دراستي في الجامعة، فقد قبلت فيها بعدما قنعت باستحالة الأمر، وأثناء الدراسة كنت ممتنة لكل لحظة قضيتها بها. بينما كانت زميلاتي حديثات التخرج من الثانوية، يتذمرن لأتفه سبب. أفكر أن النعم الموجودة بيدنا لا تحصى، لدرجة أن بعضها قد لا ننتبه إلى وجوده من الأساس. بل قد نعتقد أحيانًا أنها أمر مزعج، وربما يصل بنا الأمر لنظن النعمة نقمة، فنشكي ونبكي ونتحسر، بينما يوجد من يراها غاية مناه في هذه الدنيا.

قبل أيام ذهبت لاستخراج بدل فاقد لوثيقة التخرج، دخلت الجامعة فإذا بها وكأنها هدمت ثم بنيت من جديد. مبانٍ حديثة وأشجار خضراء ومساحات منظمة، وعربات جولف توصل الطالبات للمباني البعيدة مجانًا. استقليت أحدها ووصلت إلى مبنى عمادة القبول والتسجيل. طلبت الموظفة مني تسجيل بياناتي ورقمي الجامعي وتسديد مبلغ (٦٠ ريال) رسوم استخراج الوثيقة، ثم طلبت مني الجلوس ريثما تنادي باسمي. وما هي إلا خمس دقائق حتى نادتني وبيدها الوثيقة الجديدة وتعتذر لعدم وضعها في ظرف، نظرت إليها بدهشة: خلاص هذه هي الوثيقة؟ لا أحتاج للعودة إليكم مرة أخرى؟ قالت نعم، وهنا خرجت العجوز بداخلي تدعو للحكومة وتمدح التطور الذي جعل مهمة، توقعت ألا تنتهي إلا بعد أسابيع، تنجز في دقائق قليلة، ثم شكرتها وهي تضحك من ردة فعلي، وغادرت المبنى متجهة لمحطة توقف عربة الجولف لتقلني إلى البوابة التي دخلت منها.

بالصدفة قرأت تدوينة لأسماء تقول فيها مقارنة نفسها بمقولة لبطلة أحد المسلسلات: “أنا أسماء بلغت 36 عامًا هذا اليوم بدون زوج وطفل وما زلت أقنع نفسي بأن يومًا ما سأصبح كاتبة”. ثم تعلق بخيبة أمل: “مقارنة تجنح للاكتئاب إلى حد ما!”. بين سطور التدوينة تقول أنها عملت كاتبة لمدة سنة تقريبًا في إحدى منصات النشر الرقمية. تدوينة تشي بتمكن لغوي وفكري واضح لصاحبتها.

تجيب نوال القصير في مدونتها عن تساؤلات ويل ديورانت حول معنى الحياة، فتقول أن فهمها للحياة ينبع من دينها، وهذا ما يجعلها محتملة في الأوقات الصعبة. من ضمن حديثها تقول:إنه من الصعب جدًا يا ويل أن أختزل الحياة في معنى واحد. فالمعنى يتغير ويصبح أكثر عمقاً حسب نضجنا والتجارب التي نخوضها والظروف التي نعبرها، نخرج منها بمنظور مختلف. إن الحياة مجموعة معاني تتكامل مع بعضها البعض لتحقق التوازن المنشود أو بعضًا منه. إنها في الهدف السامي الذي خلقنا من أجله، وفي التفاف العائلة، ومواقف الأصدقاء، والصحة بعد المرض، والغنى بعد الفقر، وكل لحظات الحسرة والانشراح والبكاء والطمأنينة.”

يقول الشعراوي في تفسير سورة طه: إذا بلغت القمة فماذا بقي؟ بقي أن تنزل منها، ولذلك إذا تم شيء بدا نقصه، يقال: ترقب زوالاً إذا قيل تم، لذلك فكأن نقص الإنسان في آماله في الحياة هي تميمة حراسة النعم.

واستشهد بقصة البرمكية التي دخلت على الرشيد، قال: دخلت امرأة من البرامكة على الخليفة هارون الرشيد وقالت له: أقر الله عينك، وفرحك بما آتاك، وأتم عليك سعدك، ففهم الناس أنها تدعو له، وبعد أن خرجت سألهم الخليفة هل تعرفون ماذا قالت؟ قالوا: ما نراها قالت إلا خيرًا. قال: لقد قالت أقر الله عيني أي سكنت بلا حركة، وإذا سكنت العين عميت، وفرحك بما آتاك أخذته من قوله تعالى: “حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة”، وأتم عليك سعدك فأخذته من قول الشاعر:

إذا تم شيئًا بدا نقصه… ترقب زوالاً إذا قيل تم

تساوي إليزابث جيلبرت بين النجاح والفشل، في كيف أن المنطقتين بعيدة عن المسار الطبيعي للحياة اليومية العادية، فتقول: “ تعيشون معظم حياتكم، خارج ذواتكم،  وسط سلسلة من التجارب الإنسانية، حيث كل شيء طبيعي ومطمئن واعتيادي،  ولكن الفشل يقذف بكم فجأة بعيدا من هنا  ويرمي بكم وسط ظلام حالك من خيبة الأمل  وكذلك النجاح، يقذف بك بنفس الطريقة المفاجئة ونفس البعد،  ليرمي بك وسط تألق لامع مليء بالشهرة والتقدير والثناء.  وبشكل موضوعي، ينظر العالم إلى أحد هاذين المصيرين على أنه سيء، وينظر إلى الآخر بشكل موضوعي أيضا على أنه جيد، غير أن اللاوعي الخاص بكم غير قادر تماما على إدراك الفرق بين السيئ والجيد . والشيء الوحيد الذي يمكن إحساسه هي القيمة المطلقة لهذه المعادلة العاطفية، وهي المسافة التي كنتم فيها بعيدين عن أنفسكم.  حيث يوجد هناك خطر حقيقي في كلتا الحالتين للضياع في دهاليز النفس.”

والحل من وجهة نظرها هو العودة لممارسة الحياة الطبيعية، أن تفعل ما تفعله كل يوم بغض النظر عن النتيجة.

أما الشخص المصاب بـ “متلازمة المحتال” أو “الدجال”  Imposter Syndrome

فيتشكك في استحقاقه لإنجازاته المهنية، وأن الآخرين سيكتشفون عدم جدارته عاجلاً أم آجلًا. هو ليس اضطراب نفسي معترف به، لكن هناك بعض الأعراض الشائعة المصاحبة لهذه الحالة، وتتمثل في مستويات عالية من القلق والإحباط وانخفاض تقدير الذات، وعدم الاستحقاق للإنجازات الشخصية التي حصل عليها نتيجة لمجهوده وعمله.

وجدت تساؤلاتي عند أسماء، وربتت على كتفي نوال. أحيانًا أكون أسماء، وأحيانًا أصبح نوال، وهذه هي الحياة دائمة التغيير كفصول العام، أحيانًا تكون مشرقة ومزدهرة كالربيع، ومرات تكون كيوم قائظ في عز الصيف، أحيانًا تصبح غائمة ممطرة كالشتاء، وأحيانا تأتي بنسيم منعش كالخريف. لكل فصل عيوبه، ومزاياه، كما أن لنا عيوبنا ومزايانا، أما الكمال فلله وحده.

رأي واحد حول “تميمة

اضافة لك

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: