قول وفعل

ما بين فترة وأخرى أتذكر الراحلين، تطوف بي الذكريات التي تبدأ رفيقة، فأسرح بينها بخفة، حتى تثقل شيئًا فشيئًا، لا زالت بعض الأشياء تنغزني في صدري، أتذكر أمي وهي تقول لي: سامحيهم، فأقول صادقة: سامحتهم.

ألم أسامحهم؟ فلماذا أشعر بتلك الوخزات المزعجة؟

كان الأسبوع السابق حافلاً بزيارات متكررة إلى المستوصف القريب، نزلة معوية أصابت ابنتي، صاحبها انخفاض في الضغط اضطرنا لمراجعة الطبيب أيامًا متتالية. وفي إحدى المرات التي كنا فيها عائدتين إلى البيت التفتت لي قائلة بامتنان: سامحيني ياماما كان مفروض أنا اللي أوديكِ المستشفى وأجيبك مو إنتِ. نظرتُ إليها ضاحكة: ليش تفاولي عليّا؟ الله يحفظنا لا أنا ولا إنت نروح مستشفيات.

تذكرتُ تلك اللحظة التي عُدتُ فيها من مشوارٍ ما حرّانة عطشى، فأحضرت لي أختي كأس ماءٍ بارد، ومن شدة امتناني لها قلت: جزاك الله خيرًا وبرّد عليك في نار جهنم. مثل الحديث الذي ذكره صلى الله عليه وسلم فقال فيما معناه: ” لله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فلما أيس منها إذا بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح.”

في الآونة الأخيرة مررتُ على مقالة تضمنت فقرة حول الوزير المهلبي، وهو أحد وزراء الدولة البويهية، والمعروف بأصله العربي الذي انعكس على صفاته وأخلاقه. كان الوزير يأنف من مجانبة آداب الطعام، وبالعامية “يقرف من اللغوصة”، وكان يهتم بالنظافة بشكل واضح في ذلك العصر، وكنت أبحث عن كلمة عربية فصيحة مرادفة لكلمة “أَلِيط”، المأخوذة من الكلمة الإنجليزية “Elite”، والتي تقال للشخص الذي ينزعج من العشوائية ويتصرف بطريقة راقية، فعصرتُ مخي وجُلتُ في مواقع الإنترنت فلم أجد سوى الفعل: “يأنف”، وبعض مشتقاتها التي لا تصف الشخص الذي يتميز بهذه الصفة، وبناءً على معرفتي التي لا بأس بها باللغة اعتمدتُ كلمة “أَنوفًا”، التي اشتققتُها من الفعل كوصف لهذا الشخص.

وبعد أيام، زرتُ المكتبة ووقعتُ على رسائل أبي حيان التوحيدي، فاشتريتُ الكتاب، وكان من بلاغته أن أفردتُ في خلف الكتاب صفحة للكلمات الجديدة والعبارات الآسرة فيه، ومن ضمن العبارات التي أسرتني فيه عبارة: “والباطلُ شُنُوف”، أي مُزدرى، ومشتقة من الفعل شَنَفَ، ومعنى شَنَف إليه يعني نظر إليه بازدراء، وشَنُوف أي مترفع أو “أليط”، ومن هنا وجدتُ مرادفاً آخر للكلمة التي أردتُها عن غير قصد.

لقد أثّر المرض في تفضيلات ابنتي للطعام، وعزوفها عن بعض الأصناف التي كانت سببًا في المرض، زاد على ذلك توصيات الطبيب في ضرورة التنويع في أصناف البروتين التي تتناولها. رغم أنني أرى أن روتين العائلة في الأكل صحي، إلا أنها أصبحت “شَنوفة” لبعض أنواع الطعام، فجربتُ أن أطبخ (خارج منطقة الراحة)، وكانت مكافأتي أنها استمتعت بما طبخت.

يراجعني الشيطان في لحظة العفو، أعلم أنه هو ولا شيء آخر، فأبحثُ عمن يأخذ الموضوع من يدي لا لكي يهذبه ويشذبه، بل لكي ينسفه نسفًا ثم يُعيد بناءه مرة أخرى ويعطيني إياه نظيفًا وعلى ما يحبه الله ورسوله. فكرت في شخص لكنني استبعدتُه، ليس لعدم كفاءته، بل لأنه يميل إلى تغليب جانب حقك في عدم المسامحة، وأنا لا أريد ذلك.

كنتُ أغسل المواعين عندما فكرتُ في شخصٍ آخر، وهنّأتُ نفسي على اختياره لأنه الشخص المناسب تمامًا. عزمتُ على الاتصال به لكنني فكرتُ أن من واجبي قطع تلك الأفكار الشيطانية أولاً، لقد سامحتهم مسامحة لاشك فيها ولا مراجعة، ومهما طافت بي الأفكار فسأطردها شر طردة كي لا تعود إليّ ثانية.

أنهيتُ طبخ الغداء وتنظيف المطبخ، وبعد الاستحمام وأداء صلاة العصر اتصلتُ بوالدي. وبعد تبادل السؤال عن الحال والأحوال أخبرتُه بأفكاري فقال: تذكري دائمًا قوله تعالى من سورة الشورى:” ومن عفا وأصلح فأجره على الله”، إلى قوله تعالى: “ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور”. وأن “عزم الأمور” كما سمع من أحد العلماء تعني “صواب التدبير” أي أكمل الصواب، هذا التفسير أقنع والدي، لكن كلمة “عزم الأمور” كانت مفتاحية بالنسبة لي.

قال المغامسي العزم لغة: هو عقد القلب على إمضاء الأمر، أي انعقاد القلب من غير تردد على إنفاذ أمر ما. وفي تفسير قوله تعالى: “ولمن صبر وغفر”، قال إن الصبر نوعان: اضطراري وهو الصبر على المصيبة، وصبر اختياري وهو صبر على من ظلمك وتغفر له وأنت قادر، وهذا الذي قال الله فيه “لمن عزم الأمور”.

عاودتُ الاتصال بمحل العصير أطلبُ منه تحضير ذلك الكوكتيل من عصير البنجر، فقال: قصدك عصير فقر الدم؟ قالت ابنتي ايش؟؟ قلت له أيوة، فقال أبشري. اعترضت ابنتي إذ كيف يسمي “عصيرها” عصير فقر الدم! قلت لأن البنجر ليس لذيذ الطعم لكنه مفيد لأنه يرفع نسبة الحديد في الدم، وأكثر من يطلبه هم مرضى فقر الدم.

لقد أثنى الله في آخر سورة الأحقاف على خمسة من الرسل فقال: “واصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل”. وقال ابن عاشور أن العزم هو: عقد النية على العمل والثبات على ذلك، والوصف بالعزم مشعر بمدح الموصوف لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيرا على النفوس لأنها تعاكس الشهوات. وذكر أبو حيان التوحيدي أن الفيلسوف اليوناني دمقراطيس قال: أَمِت الشَّهوات في النَّفس، ولا تُمِت النَّفس في الشَّهَوات، فإنك إذا أمَتَّ الشهوات فيها فقد ألقيتها في الشهوات، وإذا أمَتَّها في الشهوات فقد حرمتَها الشهوات”، يريد بذلك أنك إذا حرمتَها حظوظها العاجلة فقد وهبتَ لها حظوظَها الآجِلة، وإذا غمَستَها في حظوظِها العاجلة، فقد حرمتَها حظوظَها الآجِلة.

إن ترك الانتصار للنفس بالقول والفعل، والصبر، والصفح، والمغفرة، ومقابلة الأذى بالإحسان من أشق ما على النفس، ولا يوفَّق لذلك إلا أولوا العزم والحظوظ العظيمة، فإذا ذاقوا حلاوتها، ووجدوا آثارها، تلذذوا بها، وما عند الله خيرٌ وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.

أضف تعليق

بدء مدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑