اعتياد

كان والدي يصحينا لصلاة الفجر، ولايزال يفعل ذلك مع أخواتي حتى اليوم بوتيرة أقل، أما زوجي فقد سار على نظام والده الذي كان يترك هذه الأمور للضمير، هو فقط يرمي التوجيه مرة ويترك حرية التنفيذ لصاحبه. هذه المدرسة كانت جديدة عليّ، لكنها ناسبتني، فلم أكن ممن ينفع معه الإجبار، فإذا لم أفعل الأمر بدافعٍ ذاتي فما الفائدة؟

في الفترة التي بدأ انتشار اللاقط الأرضي “أو الدش” كما كنا نسميه دخلت القنوات الفضائية كل بيت، عدا بيت والدي، تُذكرني أختي “لأنني نسيت” كيف كنتُ أسجل لهم الأغاني والبرامج الفنية المسلّية التي كانت تعرض في قنوات مثل “LBC” والفيوتشر وغيرها على أشرطة فيديو. كان والد زوجي -رحمهما الله- مختلفًا عن والدي في الثقافة والتفكير رغم أنهما أولاد عم، لكن والد زوجي درس في بريطانيا وعاش في عدن أيام النظام الاشتراكي، أما والدي فقد عاش معظم حياته في جدة.

في دراسة تقول أن التغيير المفروض يولّد المقاومة، فيزداد شعور الناس بقدرتهم على صنع مستقبل مختلف، وهذا يبعث فيهم الأمل والقوة للمواجهة. وقد قرأت في أحد كتب التاريخ أنه في عهد المماليك كانت تُفرض الضرائب على التجار والفلاحين كي تمتلئ خزائن الدولة فيستطيع السلطان دفع الأموال للمماليك اتقاء شرهم، ولما يتفاقم الظلم كان الناس يثورون ويقاومون فيرضخ السلطان جزئيًّا لمطالباتهم ويخفض مقدار الضريبة بما يخفف من غضب الشعب. وعلى مدار التاريخ كانت المقاومة الأولية للأشياء غير دائمة، إذ تبدأ برفض التغيير، وتوقع السلبيات التي ستظهر نتيجة هذا التغيير، ثم الاعتياد عليه بعد تطبيقه، ثم بعد فترة يصبح هذا التغيير واقع وأمر طبيعي كما أصبح الدش في بيتنا لاحقًا. أما مقاومتي للمد التجميلي/ التخريبي فلا زالت قوية صامدة، ولا توجد مؤشرات حالية على التراجع أو الانصياع. العملية الوحيدة التي أجريتُها هي عملية تصحيح النظر، وحتى هذه لها سلبياتها، من جفاف وحساسية في العين.

قرأتُ مقالة تقول أن الاهتمام بأدوات كشف المحتوى المولّد بالذكاء الصناعي سيتلاشى بعد مدة، ولن يكون لها أي فائدة على مدى سنوات قليلة. وفي خاتمة المقالة يقول:

“عندما يتوقف الناس عن التساؤل “هل هذا ذكاء اصطناعي؟” فهم لن يتوقفوا عن الاهتمام بالكتابة نفسها. بل سيعودون للاهتمام بالأمور التي طالما اهتموا بها، فإذا غيّرت تدوينة حياتك بشكل حقيقي، ومنحتك القوة للتعافي، وألهمتك للإبداع، فلا أعتقد أنك ستهتم بمصدرها بقدر ما ستهتم بما استفدته من قراءتها. لذا اُكتب شيئًا يستحق القراءة، إن كان هذا ما تريده. اكتبه بنفسك أو باستخدام الذكاء الاصطناعي. واقرأ ما تشاء، وقرر بنفسك إن كان الأمر يستحق.”

نسي الكاتب أن الإنسان يتعلم مثله مثل الذكاء الصناعي، والكاتب يتأثر بمن يقرأ له، وهذه القاعدة لا يُستثنى منها المحتوى المكتوب بواسطة الـ (AI)، فمن يتعود على قراءة الكتب المترجمة سيكون أسلوبه في الكتابة يشبه النصوص المترجمة، وكذلك من يقرأ للذكاء الاصطناعي لابد أن تتأثر كتابته به.

يرتاح الدماغ للأمور القابلة للتنبؤ، أما التغييرات القسرية والمفروضة تجعل توقعاتنا تهتز، وهنا يبدأ القلق. وفي كل الأحوال التاريخ يعيد نفسه، “فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”، مثل الحق والباطل، واليقين والشك، والقلق والطمأنينة،أحيانًا تحب التغيير الذي يحدث لك، وأحيانًا قد تكرهه، التغييرات التي تحدث نتيجة للنمو والفهم والنضج، أو نتيجة للألم أو الصدمة أو الانكسار، أو نتيجة لتغير الظروف يمر بها كل إنسان على وجه الأرض، والزمن كفيل بالتمحيص وتعديل المسار.

أضف تعليق

بدء مدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑