أمومة

محاولات ضد الخواء

حدثتكم عن المعنى في الحياة، واليوم أجد أن الاقتراحات التي اقترحتُها لكم للتخلص من الخواء مجرد كلام فارغ!

لقد اعتدت على نمط معين للعيش، فبعد أن كبر أصغر أبنائي، وأصبحوا اليوم يعتمدون على أنفسهم في كل شيء، تفرغت لذاتي، ولاكتشاف الحياة من وجهة نظر “مرتاحة”، لا ساعات عمل طويلة، ولا أطفال علي الاعتناء بهم، وزوج غير متطلب، واستقلال مادي يسمح لي بحرية الحركة والتصرف. وعندما كنت أشعر بالخواء في الأيام السابقة، كانت الأحاديث وبعض التجارب الجديدة تعيد ملء “التانكي”، وتنتعش حياتي مرة أخرى.

أكتب هذه التدوينة وأنا أسمع خشخشة أقدام ابنتي الصغيرة على الكرسي، فقد استيقظت من قيلولتها على ضربات أصابعي على الكيبورد الذي ظل مغلقا طوال شهور حملي الأخيرة وبعد أن أنجبت ابنتي ذات الخمسة أشهر.

وهذا هو السبب في جعل التخلص من الخواء أمرًا أصعب بكثير، فلدي طفلة رضيعة تحتاج إلى العناية والرعاية 24 ساعة 7 أيام أسبوعيًا. لا أفتح جهاز الكمبيوتر حتى أغلقه، ولم أقرأ كتابًا واحدًا منذ 6 أو 7 أشهر، وعندما أود الخروج علي أن أحملها معي أو أتركها للضرورة شرط أن أعود بعد ساعتين على الأكثر.

قبل أسبوعين قررت تفعيل روتيني القديم ليوم السبت، فقد كنت أخرج مع ابنتي الكبرى للغداء خارج المنزل مع حمل كتبنا ودفاترنا للقراءة والكتابة وشحن الطاقة للأسبوع المقبل. خرجت وأنا أجلس في المقعد الخلفي بجانب كرسي السيارة للأطفال الذي لم أثبته بعد، وابنتي الكبرى تجلس خلف عجلة القيادة. الأمور تتسهل من جهة وتتعقد من جهة أخرى، فقد أصبحت حياتي أسهل عندما تعلمت ابنتي القيادة، وأصعب بوجود ابنتي الأخرى التي تحتل كرسي السيارة. المهم خرجنا لكنني لم أقرأ ولم أكتب، لكني أعتبرها خطوة جيدة ستتحسن في مقبل الأيام.

يوم السبت الماضي خرجنا كذلك، وعدت وأنا في غاية الضيق، إذ لم أحقق ولو جزءًا بسيطًا مما أردت، يبدو أن حالة الضيق مستمرة، لا أريد أن أسميها اكتئاب ما بعد الولادة، لأني أرجو ألا تكون كذلك، لكنه إحساس بالخواء وانعدام المعنى وفقدان الغاية. أسأل نفسي بجدية: كيف يسمى ذلك انعدام المعنى، وأنت تقومين بمهمة عظيمة ولا يمكن لهذه الطفلة الاستغناء عنك؟

بالأمس سألتني أختي إن كنت أحب الذهاب معها للسينما، ترددت لوهلة، ثم قلت نعم أحب، احجزيلي معاكِ تذكرة. قلتها دون أن أسأل أحد، ثم طلبت من ابنتي الكبرى البقاء للعناية بأختها، نظرت لي نظرة دهشة “من النذالة يعني” لكني فكرت أنني بحاجة لملء “التانكي”، وأنني مسؤولة عن نفسي، إذا لم أعتني بها فلن يعتني بها أحد. هنا تذكرت صديقتي التي اتصلت ولم أرد على اتصالها، فقد كنت أعرف أنها ستدعوني إلى منزلها آخر الأسبوع، وفكرت أنني فارغة من الداخل، ولقائي بها سيكون عبئاً علينا نحن الإثنين. فكرت بها وقررت أنني أحب لقاءها، فلأسمح لها بمساعدتي إذ ربما يفيدني الالتقاء بأناس أحبهم ويحبونني خارج نطاق العائلة والحياة اليومية، وهكذا كان، اتصلتُ بها وأكدتُ رغبتي في المجيء.

ربما لا تكون اختياراتي مبنية على تفكير عميق، ربما أشعر بتأنيب الضمير، وربما أعود بضيق أكبر، لكنها محاولة أولية للخروج من الدائرة الضيقة، لاكتشاف المساحة الموجودة، وإعادة بناء نظام يلبي احتياجاتي الداخلية.

أكتب هذه التدوينة بعد قراءتي لتدوينة مشاعل الدريعان “مخاوفنا مباهجنا” التي حفزتني للكتابة. فإذا كانت كتابة وإنتاج بودكاست في الفترة الحالية غير متاحة فلأكتب تدوينة إذن. أعلم يقينًا أن هناك كثيرات يمررن بما أمر به، فلربما كلماتي تخفف عليهن، كما أن كلماتهن ستخفف عني.

تعليقان

  1. يالله كأنك كنت تتكلمي عن وضعي .. سنين من العمل و الإنجاز بنظام وروتين معين فجاة تركت شغلي وتفرغت ليوسف وكان الوضع في السليم كان عندي يوسف والبزنس اللي بديته .. بعدها بـ ٨ اشهر حملت وكان الخبر كالصاعقة .. المهم السنة الماضية ما كنت اقدر اخذ بريك نص ساعة لنفسي بعد ما كملت جميلتي رهف السنة والحمدلله بدأ الوضع يخف بديت اتأقلم يوسف اصبح في عمر الثلاث سنوات ويهتم بأخته اشياء بسيطة منه تعني لي الكثير كنت قبل اعيش بدوامة لا نهاية لها من الروتين القاتل لكن الحين لم اعطيت نفسي حقها اصبحت اقدر استمتع بيومي مع يوسف ورهف ..

    اعتذر على الاطالة بس كلامك لامسني وحاسة فيك ..

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: