ألغاز بشرية تأملات

جيران

ليش يا جارة؟

صادفتني هذه الأغنية عبر اقتراحات اليوتيوب، استجبت لهم وشغلتُ الأغنية. أحب الجلسة التي تغنيها فيها مشاعل مع عصام كمال على وناسة، ضحكة مشاعل تبعث البهجة في قلبي، والكيمياء بينها وبين عصام تصل إلي وأنا أمام شاشة الكمبيوتر في بيتي، فأبتسم معها تلقائيًا وأنا أراقب الإثنين باستمتاع. الجدير بالذكر أن الأغنية بأكملها عادية جدًا لولا هذا السؤال الذي تبدأ به: ليش يا جارة ما تردين الزيارة؟ زعلانة انت علينا ما تردين الزيارة؟

بيت الليف

كنا نسكن في منطقة هادئة من أحد الأحياء القديمة، وكان بجوار بيتنا فيلا كبيرة، تغطي فناءها عرائش الليف المتسلقة، وهو نبات يشبه القرع، تستخرج منه الليفة التي تستخدم في الاستحمام. تسكن الفيلا سيدة مهيبة وزوجها. كنتُ صغيرة لا أتذكر تلك الجارة جيدًا، لكن والدتي تذكرها باستحسان دائمًا، وتدعو لها بالرحمة كلما تذكرتها.

دون اكتراث

كان لدينا جارة أخرى كنا ندعوها :”مرة الحارس”، لا بد أن زوجها كان حارسًا لبناية أو بيت بجوارنا، أتذكر طريقتها في ارتداء ملابسها جيدًا، فقد كانت مصدر تندر لنا، سامحنا الله، وأتذكر أنها كانت تزور عمتي بعد المغرب، تشربان الشاي أو القهوة معًا في جلسة أرضية بحوش بيتنا الصغير، بينما كنت وأخي وأختي نركض ونلعب حولهما دون اكتراث.

مشهد غير مألوف

عندما انتقلتُ لبيتي، سكنت بجوار خالتي. بدأتُ في ذلك الوقت دراستي الجامعية، فكانت تأتي إلى بيتنا في السابعة صباحًا كي تعتني بأبنائي بينما أذهب أنا إلى الجامعة، ثم تغادر عندما أعود من دوامي. أذكر أنني عدتُ من الجامعة مرة وقناة الجزيرة تكرر إعادة مشهد غير مألوف، مشهد الطائرة تصطدم ببرجي التجارة بأمريكا. وظلت تعيد المشهد طوال اليوم، ونحن نتفرج مذهولين مما حدث.

ليلة مخيفة

في أحد الليالي الصيفية، وبينما كان زوجي يعمل بدوام ليلي، نادتني ابنتي بخوف: ماما هاشم طلع منه الدم. وكنت لكثرة المرات التي أصيبوا فيها قد تعودت ولم يؤثر فيّ قولها، فأجبتها بنفاذ صبر: “طيب ايش أسوي له؟ ما تشوفيني في الحمام؟” أعادت الطرق وهي خائفة ومرتبكة، فخرجتُ دون إسراع وقلت: أين هو؟ وإذا بي أرى الدم يطفر من رأس ابني ذي الثلاث سنوات، لم أعرف ماذا أفعل، فرغم أنني درست مقرر الإسعافات الأولية في الجامعة إلا أن كل شيء تبخر من رأسي تلك اللحظة، ثم تذكرتُ فجأة وطلبتُ من ابنتي إحضار أي قطعة ملابس لأضغط بها مكان الجرح. اتصلتُ بخالتي فأتت، وذهبتُ أنا وهي نبحث عن سيارة تقلنا للمستشفى، بينما بقيت ابنتها مع أطفالي الآخرين، تحكي لهم القصص، وتطمئنهم من وقت لآخر حتى نعود. بعد وقت طويل من وقوفنا بالشارع توقفت لنا سيارة كابريس، يقودها رجل ضخم، يتدلى شعره الكثيف من تحت شماغه، سألنا بصوت غليظ أين نريد أن نذهب، فدللناه على أقرب مستشفى. طوال الطريق كنت خائفة من هذا الرجل، ولولا وجود خالتي بجانبي لرفضت الركوب معه، لكنه أوصلنا للمستشفى بسلام ورفض أن يأخذ منا مقابل توصيله لنا.

دبر نفسك

يصل مبكرًا فيدق الجرس، نرد عليه فينتظر، وينتظر، وينتظر، حتى ينزل محمد ويذهبان معًا إلى المدرسة بسيارته. كل يوم ينتظر لما لا يقل عن ربع ساعة أمام منزلنا، وإذا فكر بدق الجرس مرة أخرى فإنه يواجه بـ”طيب” غاضبة. عندما ذهبت في زيارة خاطفة للإمارات اشتريتُ ساعات لأبنائي من دبي مول، واشتريتُ له واحدة مثلهم تمامًا. إذ يبدو أنني خجلتُ من كثرة انتظاره لمحمد على بابنا. فرح بالهدية وفرحتُ لفرحه. انتهت المدرسة، وذهبا إلى الجامعة، كلٌ منهم في مدينة مختلفة. عندما يزور مدينتنا يحرص على اللقاء بمحمد. يمر عليه وينتظر في سيارته حتى يخرج محمد. قبل أسبوعين اتصل بمحمد يستشيره في مواصفات لابتوب يود شراءه هدية لأخته الأصغر، لم تناسب المواصفات المطلوبة الميزانية، فأشار عليه محمد بشراء جهاز كمبيوتر مكتبي، بمواصفات ممتازة وبسعر رائع، فاشتراه مسرورًا. أعلن خطوبته في فترة الحجر، وزفافه خلال الأسابيع القادمة، دعا محمد لحفل الزفاف قائلاً: حتجي يعني حتجي، دبر نفسك.

المانع الوحيد

العمارة التي أسكن بها، يسكن بها أصحابها في الدور العلوي. عندما سكنت لأول مرة أعطانا جارنا في الشقة المقابلة قوارير ماء بارد بينما كان العمال يدخلون الأثاث للشقة. على الواجهة منقوش اسم العمارة وهو على اسم زوجة صاحبها. سيدة أنيقة، ولطيفة، لم أزرها أو تزرني ولا مرة، لكننا نتبادل السلام عبر الهاتف أو إذا التقينا صدفة أمام باب العمارة. أرسلتُ لها توزيعات ولادة ابنتي، وأرسلت بالتالي توزيعات زواج ابنها البكر. قبل أيام أرسل رسالة يقول أنهم سيغسلون خزان الماء، لذا سينقطع الماء لمدة عشر ساعات على الأقل. يا إلهي! انشغل بالي بالماء الذي سينقطع، وحاولنا تدبير ماء إضافي، انقطع الماء بعد العشاء، واستمر حتى اليوم التالي قرب الظهر، ثم سمعنا الماء يتدفق في الحمام والمطبخ، هممتُ وقتها بإرسال رسالة شكر لحسن إدارة الأزمة لكنني انشغلت ونسيتُ الأمر. مؤخرًا صرتُ أفكر بالانتقال من البيت، فقد أصبحت لنا احتياجات أخرى لم تعد هذه الشقة تلبيها، لكن الشيء الوحيد الذي يمنعني هو أنني لن أجد جيرانًا مثل جيراني، أبدًا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: