تأملات

تدوينة في حب الخالات

نتسابق من يأخذ المشط أولاً. تجلس في الصالة أمام التلفاز ونبدأ أنا وأختي وأخي في تمشيط شعرها. نحاول أن نسرحه بحسب خبرتنا البسيطة، نربطه من هنا ومن هناك، ثم نضع زينة الشعر ونترك بعضه منسدلاً، ننظر فلا نقتنع بالنتيجة، فنعيد فكه وتسريحه مرة أخرى ووالدتي من الغرفة المجاورة تصيح بأختها المستسلمة تنهاها عن الانصياع لرغباتنا، وتزجرنا عن اللعب بشعر خالتنا الحبيبة.

أجريتُ عملية لإزالة اللوزتين وأنا في الخامسة من عمري، وها هي بنت خالتي تأكل الآيسكريم أمامي بتلذذ محاولة ترغيبي في أكله قائلة أن أفضل شيء ممكن أن يحدث لك هو أن تجبر على أكل كرتون آيسكريم كامل، وأنه لا شيء يمكنه إثناؤها عن تناول الآيسكريم، ولا حتى حلقها الملتهب بعد العملية. عندما استيقظتُ صباحًا وحان وقت تناول الإفطار، أحضرت لي خالتي ساندويتش جبنة مع شاهي بالحليب، تغمس الخبز في الشاي وتطعمني إياه، بينما أتفرج على فقرة الأطفال بالقناة السعودية الأولى.

لم تكن خالتي تغضب منا أو توبخنا أبدًا، إلا إذا دخلنا للاستحمام في بيتهم وملأنا أرضية الحمام بالماء. هذا هو الأمر الوحيد الذي يجعل خالتي تغضب وتوبخنا. وما عدا ذلك فالأمر فيه سعة.

قبل سنوات كنتُ أعمل لدى مدير أسمر البشرة، كان لطيفًا جدًا وطيبًا جدًا. أول لقائي به كان في المصعد. كنتُ في بداية حياتي العملية، وقررتُ البحث عن وظيفة بطباعة نسخ كثيرة من سيرتي الذاتية، والمرور بجميع المكاتب في البنايات التجارية الكبيرة، وهناك قابلتُه، أعطيته نسخة من السيرة الذاتية في حال توفرت وظيفة مناسبة في الشركة التي يعمل بها، ثم اتضح أنه المدير التنفيذي للشركة وأحد مؤسسيها. كان عندما يتحدث يشير إلى نفسه ب (الخال)، ويضحك كثيرًا على ذلك؛ فلم أفكر أنها كلمة تغضب أصحاب البشرة السمراء، ثم عرفتُ في موقف محرج حدث لي بعد سنوات أنها كلمة غير لطيفة إطلاقًا. قبل أمس صادفتُ تساؤلاً على تويتر حول معنى كلمة (خال) وهل هي مرادف لكلمة (عبد)؟ ووجدتُ إجابة أسمعها لأول مرة، يقول صاحبها أن كلمة خال هي في الأصل اختصارًا لعبارة (خال الشيوخ)، نظرًا لكون كثير من الأمراء أخوالهم من أصول أفريقية.

كنتُ أقوم بمهمة روتينية اليوم، فساقتني الأقدار لسماع أغنية جديدة لطلال مداح رحمه الله، أعشق اللهجة الحجازية في الأغاني القديمة، لطلال وعبادي وفوزي محسون وعبد المجيد عبد الله، وحتى محمد عبده. تقول الأغنية:

يا أخضر يا واحد من ثلاثة ترفعوا
الحســـــــــن والماء وأنت تجمعوا

الخال فوق الخد يا حلو ما اروعو

كم قلب قلي في هواك اتلوعــــــوا

ابتهجتُ وتذكرتُ تلك الخالة السوداء الصغيرة بذقني، وهي حبة خالٍ حديثة ظهرت أثناء حملي الأخير، هي وحبة خالٍ أخرى أكبر قليلاً، ظهرت على صدغي الأيسر، لكن لونها أفتح قليلاً من أختها. لم أنتبه لها كيف ظهرت، لكني وجدتهما يومًا ما عندما نظرتُ لنفسي في المرآة، قلت: ربما تختفيان بعد الولادة، لكنهما بقيتا كإشارة خفية على أن عمر الأربعين يمكن أن يكون بداية لأشياء حلوة كثيرة في هذه الحياة.

لسماع مقطع الأغنية على ساوندكلاود:

تعليقان

  1. أُحب التدوينات جداً..وسررت بقرائتها
    لكِ طابع خاص على أحرفك
    استمري بنشر المزيد وسأستمر بالقراءة والأستمتاع بما هو موجود إلى حين ذلك♥️.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: