أسلوب حياة تأملات

أمر شخصي جدًا

“علينا أن نقدم أنفسنا للحي “إننا قادمون”. سيكرهوننا، سيقفون بالصف لتحطيم المتجر الكبير الشرير الذي سيدمر أعز ما عندهم. أتدري؟ سنغويهم بمساحتنا الكبيرة، وتخفيضاتنا، ومقاعدنا المريحة، والكابتشينو. سيكرهوننا في البداية، ولكننا سنكسبهم في النهاية. أتعلم لماذا؟ لأننا سنبيع كتبًا رخيصة، ومنبهات مشروعة، أما الآن فلنرفع لافتة:

“قريبًا، متاجر فوكس للكتب”.

زمان كنتُ أنتظر الخميس بفارغ الصبر، الخميس الذي أنهي فيه بسرعة كل واجباتي، كنت أتمنى أن أكون مثل رابح صقر وأؤجل كل شيء للسبت وأستانس، لكنني إنسانة لا تحب أن تنتظرها الواجبات والمسؤوليات، بل أنتهي منها أولاً بأول حتى أستانس بحق. يأتي الخميس فنستعد للذهاب لبيت خالتي، الذي يقع بالقرب من مركز الكورنيش التجاري، وهو من أقدم المراكز التجارية بجدة، إذ لم يكن هناك الكثير من المراكز المكيفة الكبيرة. نذهب هناك نقفز إلى السلم الكهربائي وتقفز معنا قلوبنا التي تشعر بالإثارة والترقب لمتعتنا القادمة. في الدور الثاني نتوجه مباشرة لمكتبة المأمون، فقد كانت تصل إليها الأعداد الجديدة من رجل المستحيل وملف المستقبل وأخواتهما أولا بأول، ونشتريها نحن كذلك بما يسمح به مصروفنا البسيط.

عندما أتى موعد ميلاد ابنتي الصغرى مررتُ بتلك القرطاسية الصغيرة بالشارع القريب من بيتي لأشتري زينة بسيطة للمناسبة، فوجدتُ الغبار يعلو الأرفف ومحتوياتها، فنفضتُ الغبار واشتريتُ أفضل ما وجدت، والذي لم يكن مرضيًا بما فيه الكفاية. قبل ذلك بمدة قصيرة مررتُ بالمكتبة الكبيرة في ذلك الحي القديم، كنتُ أود شراء أقلام ملونة، وجدتُ ضالتي واشتريتُها بسعر أقل مما تبيعه به تلك المكتبة الكبيرة التي انتشرت فروعها في كل مكان. لكن للأسف، كانت الأقلام – بعضها- شبه ناشفة. لم أرتح في الكتابة بها وحزنت على حال قرطاسياتنا الصغيرة.

قالت: “العالم لا تسيِّره الحسومات، صدقني، أنا في هذه التجارة منذ زمن بعيد، بدأت أساعد أمي وكنت أراقبها مذ كنت في السادسة. لم تكن تبيع الكتب وحسب، بل كانت تساعد الناس ليكونوا ما يريدون أن يصبحوا عليه. لأنك عندما تقرأ الكتب للأطفال يصبح الكتاب جزءً من شخصية الطفل، ويشكّل هويته، وذلك ما لا تفعله القراءة في أي عمر بعد ذلك.”

أطلب من زوجي إحضار فرشاة أسنان من الصيدلية، يحضرها وإذا بي أرى شعار سلسلة الصيدليات المعروفة بحجم صغير في طرف العلبة، أقول بداخلي: والله شاطرين، يصنعون منتجات بجودة عالية تنافس الماركات المعروفة ويبيعونها بسعر منافس.” يتكرر الأمر فلا ألقي له بالاً، ثم بعد مدة طلبتُ منه إحضار شيء آخر، فلا يجد الماركة التي حددتُها له ويحضر ماركة أخرى بها علامة صغيرة لنفس الصيدلية في طرف العلبة، هنا أفقد صبري وأشعر بالغضب على احتكار السوق، فإذا أردتُ منتجًا ما، لا أجد نفس المنتج، بل نوعًا آخر من شركة أخرى أو من نفس الشركة صاحبة الصيدليات المعروفة!

في الفيلم الشهير You’ve Got Mail” يتفقد والد جو فوكس مكتبته الجديدة ويقول: ” لا احتجاجات ولا مظاهرات، أهل الحي يحبوننا ويتساءلون أين كنا من قبل، وكيف عاشوا من دوننا.”  بينما في متجر “شوب أراوند ذا كورنر“، متجر الكتب الصغير الذي يقع في نفس الحي، يتفقدون أحوالهم لتقول السيدة العجوز بعد مراجعة الحسابات : “ لقد فتحوا منذ 6 أيام، وكسبنا نحن أقل من الأسبوع نفسه من العام الماضي ب 1200 دولار.”

كنت أشتري مجلة “وومن آند هوم” بانتظام تقريبًا من القرطاسية التي تحتل جزءً صغيرًا من سوبرماركت الدانوب، ومع نهاية 2019 انقطعت المجلة من السوق، كما انقطعت بعض المجلات الأجنبية الأخرى. ذهبت في الأسبوع الماضي للدانوب بعد أن قرأتُ مقالة في عدد قديم من المجلة بدّل حالتي المزاجية ليملأني بالحماس والرغبة في العمل، رحت الدانوب لعلي أجدها، لكن لم يكن هناك سوى مساحة صغيرة جدًا لبعض المجلات العربية، فقفلتُ عائدة إلى بيتي خالية الوفاض، وأرسلتُ رسالة لأختي أقول لها أنها إذا رغبت في التخلص من الأعداد القديمة من المجلة فإني أرغب في أخذها والاحتفاظ بها إذا لم تمانع.

في الفيلم تصمد كاثلين كيلي صاحبة متجر الزاوية أمام متاجر فوكس الضخمة، فهي تريد توريث المكتبة لابنتها كما ورثتها هي عن والدتها، تعامل جو فوكس بعداء، وتشتعل الحرب بينهما لكن قواها تخور في النهاية وتبيع متجر الكتب مع شعور غامر بالمرارة والألم. يصيبها الزكام فيزروها جو مُصطحبًا معه زهور الأقحوان، عارضًا صداقته عليها، بينما تلبس كاثلين بيجامتها الرجالية، والبيت في حالة من الفوضى، تتناثر فيه المناديل المستعملة في كل مكان. يُعدّ لها الشاي ويقوم بتغطيتها عندما تشعر بالدوار، ويقول لها:

أعرف أنك تكرهينني.

  • لا أكرهك.

لكنك لن تغفري لي أبدًا.

  • تصمت

الأمر ليس شخصي.

  • هنا تفقد كاثلين أعصابها وتقول: “ماذا يعني ذلك بالضبط؟ لقد سئمت من هذا الموضوع، كل ما يهمك هو أن الأمر ليس شخصيًا بالنسبة لك، لكنه شخصي بالنسبة لي. شخصي للعديد من الناس. وما المشكلة في أن يكون شخصيًا على أي حال؟ مهما كان الأمر فإنه في البداية يكون شخصي.”

الأمر شخصي يا كاثلين أشاركك الرأي، فمهما كنا نحب المتاجر الكبيرة التي تحوي الكثير من الأشياء الرائعة والمتنوعة والجديدة، إلا أننا نفتقد المتاجر الصغيرة التي يعمل بها أصحابها، تلك المتاجر المليئة بالشغف والعمل المجد والمثابر، المليئة بالروح، بالحياة، باللمسة الشخصية المميزة. سئمنا التشابه، وسئمنا التكرار، وسئمنا النظر لنفس الأشياء معنا ومع غيرنا، في حينا وفي الأحياء المجاورة، في بلادنا وفي البلاد التي تبعد عنا آلاف الأميال. الأمر بالنسبة لي ولكثيرين غيري مثلك يا كاثلين، شخصي، وشخصي جدًا كذلك.

*فيلم “You’ve Got Mail” موجود على نتفليكس، شاهدوه مرة أخرى ولن تندموا 🙂

3 تعليقات

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: