فراشات في القلب

زغاريد

أتت إلي ابنتي الكبرى بعد صلاة الجمعة لتريني مقطع فيديو قديم لها وهي تحمل أختها التي كانت لم تتجاوز 3 أشهر حينها، تحمل أختها بين كفيها وتزغرط لها، والصغيرة تنظر لها بانزعاج بينما أصيح بها من الغرفة المجاورة : “خديجااااة بطلي جنان عالحرمة”! تضحك وأضحك معها على الجدية التي كنت أتحدث بها ووصفي الطفلة “بالحرمة”، في مقابل عبثها المازح اللعوب مع أختها.

في المناسبات السعيدة تطلق الزغاريد لإضفاء مزيد من البهجة، وهي علامة على مشاركة أهل الفرح فرحهم وبهجتهم. وهي موهبة فطرية في البعض، إذ تتميز الزغاريد الماهرة بصوت رفيع وعالٍ ومستمر، بينما الزغاريد المتواضعة فهي قصيرة وضعيفة الحدة، ولا تتجرأ صاحبتها بالبدء حتى تتأكد من وجود مزغردات مهرة إلى جانبها يكملون المهمة بنجاح. في قاعات الزفاف يتم استئجار موظفة مهمتها إطلاق الزغاريد كلما حضرت مجموعة من الضيوف، أو أثناء زفة العروسين، وأحيانًا يُستغنى عنها. بينما لا يتم الاستغناء عن الزغاريد إلا إذا كان هناك حزن يمنع أصحابه من إظهار كامل فرحهم. وإذا حدث وأطلقت زغرودة في بعض هذه الحالات فهي دلالة على عدم احترام حالة الحزن، وقد تؤدي إلى عتاب وجرح وكسر المحزونين، والبعض يمنع الحزن أكثر من ثلاثة أيام، ويكون أكثر سماحة ويعلن لأهل الفرح أن حزنهم انتهى وبإمكانهم ممارسة وإظهار مشاعر الفرح كاملة دون حرج.

تعرفت ابنتي الصغيرة إلى الزغاريد بمعناها الحقيقي لأول مرة قبل أسبوعين، عندما ذهبنا لبيت والدتي وبدأنا الغناء لها وهي تصفق سعيدة، فتحمست والدتي وأطلقت زغرودة خفيفة تفاعلاً مع الدق والغناء، فالتفتت لها ابنتي متعجبة ومدهوشة من الحركة التي أضافت طبقة إضافية من السعادة على فقرة الغناء. كنا كلما غنينا تنظر لوالدتي تحفيزًا لها لإطلاق المزيد من الزغاريد السعيدة.

الزغاريد هي فراشات ترفرف بأجنحتها بدون توقف، تطير من مكانها حتى تدخل قلبك مباشرة وتستقر بداخله، تملؤه فرحًا وسعادة، تليّنه، وترققه، وتجعله قابلاً للمسامحة والغفران ونسيان كل الذنوب والأخطاء بكلمة واحدة؛ فقط إن استغليت تلك اللحظة.

اسمع وتمخطر

أعرف أن بودكاست رفاق طويل، أطول من معظم البودكاستات الأخرى. وأعلم أنني أدرج الأغاني الطويلة كفاصل بين الفقرات، مما يجعل البعض أحيانًا ينسى أنه يستمع إلى بودكاست، وهذا هو المطلوب بالضبط! أن نستمع إلى حديث طويل، تتخلله الأغاني الجميلة التي تتسق ومحتوى البوكاست بل وتضيف إليه، فتكمل المعنى وتربطه بفكرة أو تغير فكرة قديمة، أو تخلق فكرة جديدة تمامًا. أن نستمتع ونحن نسمع هذا المحتوى الطويل المتسق أثناء انشغالنا بعمل روتيني مثل التنظيف أو قيادة السيارة أو كي الملابس أو غسلها، بدون أن ننقطع عن العمل لنبحث عن شيء آخر.

هل تعرفون أغنية يا ورد محلا جمالك؟ عندما يبدأ أبوبكر سالم الغناء:

ياورد محلا جمالك بين الورود

يا غصن محلا قوامك لما تنود

يبدأ عزف العود بطيئًا يتهادى إلى مسامعك وأنت تقود السيارة، أو تحضر الإفطار، أو ترتب مكتبك، أو تنشر الغسيل. فتبدأ أنت أيضًا بالتمهل، بشويش بشويش، نتمايل مع إيقاعات الأغنية برفق، ونتابع أعمالنا في تؤدة. نشعر أن أمامنا الوقت كله، العمر كله، الدنيا كلها، لا أعمال تنتظر، ولا مهام متراكمة، ولا أشخاص ينتظرون، ماذا حصل؟ لا شيء، لابد أنه تأثير الأغنية. في حياتنا اليومية لا نشعر أننا نركض، لكننا فعليًا نركض، وأغنية أبوبكر تجعلنا ننتبه، نتروى، نتريث، فنتأنى في خطانا، ونتمخطر مع الألحان الناعمة والنغمات المريحة الهادئة. ولم العجلة؟ فلنتريث ونؤدي أعمالنا بهدوء بينما نشغل وقتنا بسماع شيء مسلٍّ بدل أن نركض في هذه الحياة طوال الوقت، لنعط أنفسنا فرصة كي نستمتع بلحظات عمرنا، وبما نقوم به بدل الانشغال برغبة التخلص من الأمور وإنهائها فورًا.

جمالٌ مؤثر

قبل مدة قرأت مقالة لسيدة أسترالية حول روتين الشعر الكيرلي، فقالت أنها اكتشفت أن روتين العناية المناسب لشعرها يختلف من وقت لآخر، وأضافت: “أرجوكم لا تنزعجوا من تغييري لروتين العناية بشعري، فقد وصلتني رسالة غاضبة من إحدى متابعات المدونة تلومني على تغيير روتين شعري بعد أن اعتمدته هي ونجح معها.”

عندما أتصفح مدونة تعجبني أشترك في نشرتها البريدية، وأقيم ما ترسله لي، إذا لم يعجبني المحتوى أو شعرت أنني غير مهتمة به لأي سبب؛ ألغي اشتراكي. قبل أشهر وصلتني نشرة بريدية أسبوعية من مدونة عربية، النشرة غاية في السحر والجمال، كلما قرأتها نقلتني لحالة مزاجية مختلفة. هل تعرفون الأفلام التي تنتهي وتترككم في حالة تفكير عميق؟ هذه النشرة كذلك، بالأمس وصلتني منها رسالة ملأت قلبي بالفراشات أو الزغاريد التي تحولت إلى فراشات، لا أستطيع وصف الإحساس بالضبط، لكنها كانت تتحدث عن الإحسان والحاجة الروحية لخلق الجمال، وهي من ألهمتني لكتابة هذه التدوينة. أحيانًا تعمل عملاً وتظهره للناس، قد لا تجد صدىً له، وقد تتفكرفي جدواه أو لا تتفكر،المهم ألا تتوقف، فأنت لا تعلم ما التغيير الذي يمكن لعملك إحداثه في نفوس الآخرين.

رابط أغنية يا ورد محلا جمالك على ساوندكلاود

4 رأي حول “فراشات في القلب

اضافة لك

اترك تعليقًا على غير معروف إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: