ليلة خميس

منذ مدة لم أشعر بفرح الويكند. إجازة آخر الأسبوع تختلط علي في رمضان والعيد، فلا أكاد أشعر بها. ورغم أنني عملت قليلاً بالأمس لكني نويت أن أكمل العمل الجمعة، ثم هاتفتني أختي مساءً قائلة أنها سترتب لنشاهد فيلم معًا أثناء زيارتنا الأسبوعية لهم. ويبدو أن هذا كان أحد أسباب البهجة الخفية التي شعرت بها.

في الثمانينات والتسعينات كانت الإجازة خميس وجمعة، وكان الأربعاء له نصيب وافر من الحب. أما الجمعة فكان مثقلاً بهموم الاستعداد لأسبوع دراسي جديد يبدأ قبل موعده. كُرهنا كأطفال ليوم الجمعة لا خلاف عليه. إذ لم يكن الخروج فيه مباحًا، بل نقضيه في محاولة استعادة لياقتنا الدراسية، مما جعله يومًا صعبًا وثقيلاً على نفوسنا.

أما الخميس فهو زينة أيام الأسبوع، نعرف جيدًا ماذا سنفعل لنحصل على متعة تكفينا لبقية الأسبوع. فنذهب لبيت خالتي، ونقضي وقتنا باللعب والحديث مع البنات وزوارهم. إذ كان بيت خالتي ملتقى محبي المرح من معارفنا من الأهل والأصدقاء والجيران، ولا زال كذلك حتى يومنا هذا. نجتمع فيه فنجد المتعة والصحبة والقصص والحكايات والمغامرة والضحك والطعام اللذيذ.

في آخر الليل بالأمس وردني خبر نزع بهجتي المنتظرة بالغد، فحاولت أن أسلي نفسي وأبعد تفكيري عن الأمر بفتح تطبيق تيكتوك، تصفحته لفترة لكنه لم يزل ما طرأ علي من انزعاج غريب. ثم قررت أن أمسك المسبحة وأصلي على النبي إلى أن نمت.

لم أفكر من قبل باحتمالية كون الناس قبلنا كانوا يعيشون حياتهم بدون إجازة أسبوعية حتى شاهدت مسلسل “Downton Abbey”، مما لفت نظري إلى أننا نأخذ كثير من الأمور على أنها مسلمات، دون تفكير بمتى وكيف ومن أين أتت.

كتب هيثم الكريتلي في مجلة القافلة: ” والعطلة الأسبوعية التي نعرفها اليوم، لم تكن «تحصيل حاصل» بالنسبة إلى أسلافنا. فصحيح أن الانقطاع عن الانشغال بالأعمال الدنيوية والمهنية ليوم في الأسبوع هو تقليد قديم جداً، إذ كان لليهود سبتهم، وللنصارى يوم الأحد، ومن ثم يوم الجمعة للمسلمين. إلا أن هذه الأيام كانت مخصصة للعبادة، ولم تكن على علاقة بالعمل ومتطلبات العاملين وحاجاتهم. فالإجازة الأسبوعية بمفهومها الحديث هي وليدة القرن التاسع عشر، عندما تمكنت النقابات العمالية في إنجلترا من انتزاع الحق بعطلة أسبوعية تضاف إلى العطلة الدينية، فكان لهم يوم السبت إضافة إلى يوم الأحد.”

قبل سنوات بدأت العمل المستقل، وكانت المشاريع كثيرة لدرجة أنني كنت أعمل طوال الوقت، دون أن أفرق بين ليل أو نهار أو إجازة أو غيرها، كنت أحب عملي فلم أنتبه لوجود خطب ما حتى وصلت إلى مرحلة كنت فيها بغاية التعب والإنهاك، هكذا فجأة وجدت نفسي منهكة دون مقدمات، فأخذت إجازة أعدت فيها ترتيب أولوياتي، وتعلمت أنني يجب أن أحدد ساعات العمل لنفسي، وأن آخذ إجازة راحة أسبوعية مهما كان الأمر.

يزعجني عندما أحس بأن إجازة آخر الأسبوع تمر كأيام الأسبوع الأخرى، دون تغيير يذكر. لذا صرت أخصص يومًا لنفسي أبتعد فيه عن البيت والعائلة والعمل، وأقضيه بطريقتي الخاصة. أكتب وأقرأ وأتنزه، أتناول الطعام في الخارج، وأعمل تغذية بصرية تملأني بالنشاط لأبدأ أسبوعًا جديدًا. هذه العادة استمرت معي سنوات طويلة، أما الآن فهناك الكثير من الفراغ. بيت شبه خالٍ، ومهام أقل، وطفلة أسعد بالاعتناء بها وأعاف البعد عنها دون حاجة.

زمان لم يكن الترفيه متاحًا طوال الوقت مثل اليوم، فكانت برامج الأطفال والمسلسلات في وقت محدد ولمدة محدودة، والخروج من البيت غير مسموح إلا في إجازة نهاية الأسبوع، والواجبات المدرسية كثيرة، وليس كل البيوت بها خادمات، وليس هناك إنترنت ولا جوالات ولا كمبيوترات.  وحتى الأتاري كانت تخبئها والدتي ولا تعطينا إياها إلا وقت الإجازة. أما الآن فالترفيه متاح في كل وقت، والجوالات والإنترنت واشتراكات المنصات الترفيهية متوفرة في متناول اليد، فيأتي الويكند وقد استنفذنا المواد الترفيهية المتاحة ونبحث عن المزيد. أصبحت نفوسنا صعبة الإرضاء. وما لم نخطط جيدًا لأوقات تغني وتشبع أرواحنا بعيدًا عن المتع السطحية فإننا غالبًا ما نشعر بالفراغ وضآلة خياراتنا.

تقترح أحدنا الألعاب الجماعية التي تعتمد على الأسئلة، لا أحبذها كثيرًا، فهي ممتازة إذا كنت ستقضي وقتًا طويلاً مع جماعة من الناس، في الاستراحة مثلا لمدة يوم كامل أو أكثر. أما إذا كان الوقت محدودًا بساعتين أو ثلاث فأفضل أن أقضيه في الحديث عما يشغل تفكيرنا عوضًا عن اللعب.

ليلة خميس طرز بها نور القمر شط البحر

نصف الشهر

والليل من فرحه عريس ليلة خميس

لحن الأغنية، مع الاعتذار للفنان عمر كدرس، كان يملأ نفوسنا كأطفال بالغم، أما “خميس ومالي خلق أزعل مهما يستفزوني” لرابح صقر، فهي تتجاوز كونها أغنية نطرب لها إلى كونها وضع اجتماعي وحالة شعورية نمر بها من وقت لآخر، كلماتها تشجعنا على تجاهل المنغصات وتخصيص اليوم للاستمتاع ونسيان تعب الأسبوع وتقديم النفس على كل شيء اليوم فقط وبعدها يحلها ألف حلال.

عندما استيقظت اليوم وجدت رسالة أزاحت انزعاجي من خبر الأمس عن بكرة أبيه. وها أنا الآن أبشركم بأنني سأقضي إجازة الأسبوع كما أردت.

تمنياتي لي ولكم بإجازة سعيدة.

رأيان حول “ليلة خميس

اضافة لك

  1. نحن العطلة الرسمية يوم السبت و اﻷحد لكن نحن نخالف عطلة الدولة فنرتاح يوم الجمعة ﻷن عملنا حر.
    أول مرة أقرأ لك نصا طويلا فقد تعودنا على البودكاست.
    عطلة سعيدة

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: