أماكن

أروما كافيه، ليلة من الزمن القديم

"الإشباع الروحي المتبادل بين جميع الأطراف هو أفضل ما يمكنك الحصول عليه وتذكره فيبقى أثره لوقت طويل."

لا أعرف لماذا أشعر بالكسل عندما أفكر بالخروج من المنزل؟

كنت أحب الخروج ومستعدة لأرافق كل من يدعوني للخروج معه! كان هذا قبل 5 سنوات تقريبًا، كل يوم أصحو مبكرًا لأكون متواجدة في المكتب قبل الثامنة بقليل. وبعد انتهاء الدوام أبحث عن مكان آخر غير البيت لأقضي فيه بقية اليوم. وفي يوم الخميس، إجازتي الأسبوعي، كنت أتناول إفطاري في الخارج، غالبًا في عزيز مول الذي كان قريبًا من بيتي، وذلك قبل أن أذهب لقضاء بقية اليوم مع أبنائي في بيت والدي ووالدتي.

كان الخروج من المنزل بحد ذاته غاية، لأجل السعادة الوقتية التي أشعر بها. كنت أخرج مع صديقاتي، ومع أخواتي، ومع قريباتي. غالبًا خرجاتنا كانت للمطاعم والكافيهات، فالجو الحار لا يساعد على قضاء الوقت في الخارج. وفي أيام الشتاء ذات الهواء العليل، بالإضافة إلى الكافيهات، تقتصر نزهاتنا على شاطئ البحر غير المفضل لدى البعض بسبب الرطوبة، وبسبب عدم وجود أماكن مريحة للجلوس، وأحيانًا بسبب الروائح المزعجة.

IMG_4042

عندما يحدث تغيير في حياتك يقلبها رأسًا على عقب، تبدأ وكأنك ولدت من جديد. تعيد تعريفك للأشياء، وتبني ذاتك مرة أخرى لبنة لبنة. تنقض ما غزلت من البداية، لتغزل قطعة جديدة لا تعقد غرزة بها إلا وأنت واعٍ ومتأكد من موضعها وكيفيتها، فتنسج قطعة رائعة لم تعبث بها أيدي العابثين أو المتطفلين. وككثير من الأشياء التي تغيرت، اختلفت نظرتي لفكرة الخروج من المنزل، فقد أصبح خروجي من المنزل وسيلة وليس غاية، أفضل الطبيعة على الأماكن المغلقة مالم تفرض علينا الطبيعة مخاصمتها، لحر شديد، أو غبار مهلك. خروجي من المنزل إذا لم يكن لحاجة مادية أو اجتماعية، فهو لحاجة روحية ونفسية، لتفريغ دواخل النفس واستكشاف أفكار جديدة عن الذات وعن الآخرين، ولشحن طاقتي آخر الأسبوع، وبدء الأسبوع الجديد بذهن صافٍ، وعقل متفتح مستعد للعمل والتعلم، واستقبال هبات الحياة السعيدة.

في مقال لآدم بوسولسكي ترجمه علي الصباح بعنوان (متعة أن تكون في الثلاثينات) يقول: “حين تبلغ الثلاثين, لن تستطيع أن تتظاهر لفترة أطول. سيغدو من المستحيل أن تعمل في وظيفة تكرهها, أو تقيم علاقة مع شخص لا تحبه, أو تعامل جسدك باستخفاف. بعد الثلاثين ستبدأ بالشعور بشكل أقوى. ستكون متصلا بشكل أكبر مع جسدك, قلبك, وروحك.” ليس شرطًا أن يحدث ذلك في الثلاثينات، وإنما يحدث متى ما قررت الوعي بذاتك والنظر إلى حياتك بطريقة مختلفة.

دعوة للخروج

في أحد أيام الثلاثاء وصلتني رسالة من أختي تسألني إن كنت أستطيع الذهاب معها إلى “أروما كافيه”. فالأربعاء يوم إجازتها، وتود أن نجتمع نحن وبنات خالتي كالأيام الخوالي. أروما هو المطعم الوحيد الذي لا نختلف عليه، فلكل منا طبقها المفضل الذي يمكنها مشاركته مع إحدانا بصدر رحب. سبقوني إلى المطعم بدقائق، ودخلت وأنا أمسك بهاتفي لسؤالهم عن مكان جلوسهم، وقبل أن أفتح الهاتف استقبلني مشرف الصالة الذي بادرني مرحبا بلهجته المصرية الودودة: اتفضلي على اليمين حضرتك حتلاقيهم هناك.  وفعلا وجدتهم هناك، سلمت عليهم وجلسنا نتبادل الأحاديث في جو من الألفة، حكايات عن رغبات البنات ونظرتهم إلى الزواج، عن المشاريع التجارية والأفكار المربحة، وعن المسائل العائلية والتجارب الشخصية تغلب عليها التعليقات والقصص المسلية المضحكة، ثم فجأة صدحت أغنية وليد توفيق مهنئة أحد زوار أروما الصغار بعيد ميلاده.

 

أماكن مفضلة

لكل مجموعة من الأشخاص أماكن مفضلة محددة، عندما ينوون الاجتماع خارج المنزل فإنهم يستعرضون قائمة من 3 أو 4 أماكن، قد تكون هناك أماكن أخرى تمت تجربتها في أوقات سابقة، لكنها لا تضاف للقائمة، فهي قائمة عزيزة على أصحابها، ومهما شعروا بالملل من التكرار، تظل هي أماكنهم المفضلة التي لا تستبدل بغيرها. كافيه نكهة القهوة أو “أروما كافيه” هو أحد المطاعم المفضلة لنا. فعهدنا به قديم جدًا، وربما منذ افتتاحه عام 1996. ولإعطاء فكرة سريعة عنه، أروما كافيه واسع، تصميمه يشبه البيوت الشامية القديمة بأحواض الزرع ونوافير المياه المتدفقة. وهو مطعم عائلي بأطباقه الكبيرة التي تكفي 3 إلى 4 أشخاص، وقائمة الطعام المتنوعة بين الشرقي والغربي. الطعام المقدم لذيذ، وأسعار الأطباق ليست رخيصة، مقارنة بحجمها تعتبر متوسطة خاصة إذا كنتم مجموعة وتم تقسيم الفاتورة على 4 أو 5 أشخاص. مقدمو الخدمة ودودون، وقائمة الأغاني الشرقية العريقة تروق المزاج.

IMG_8665

يسرُّ الناظرين

يقع أروما كافيه في مركز الحمراء التجاري المقابل لكورنيش جدة. لذا أعتبر الذهاب إليه فرصة للوقوف أمام البحر واستنشاق الهواء الذي يحرك أمواجه مرة بخفة ومرات بقوة تجعل المياه تتناثر على الواقفين أمامه والمعترفين بعظمته وجماله. بجانب أروما في الجهة المقابلة للبحر، يوجد محل آيسكريم باسكن روبنز، نشتري منه للتحلية بعد وجبة الغداء، ونستمتع بتناوله أمام البحر ليخفف قليلاً من حرارة الشمس. في مرة اشتريت كرسيًا أصفر يسر الناظرين، وأحضرته معي لأجلس براحة وقتًا أطول أمام البحر، لكني ما إن جلست عليه حتى فوجئت بأنه مكسور، فلم أستطع الجلوس سوى دقائق قليلة، قمت بعدها وتركته آسفة بجانب صندوق القمامة لعل أحدًا ما يجده ويصلحه ليستخدمه.

IMG_4062

بحبك مهما لاموني

على الأنغام الهادئة لأغنية وردة، نظرت من حولي، أتأمل وجوه صاحباتي، وأنا أشعر بالحنين لأيامٍ مضت. فكرت بيني وبين نفسي أن الظروف والمواقف الصعبة تصنع علاقة قوية وعميقة بين الأشخاص. وتكسر الحواجز التي يبنيها الناس حول أنفسهم في العادة، لتنتقل العلاقة إلى مرحلة أعلى. هناك أناس يستحقون أن تستثمر في علاقتك معهم، وظروف المرض والضعف الإنساني فرصة، فلا تغدو علاقتكما بعدها كما كانت إن أحسنت استثمارها والعمل عليها.

 

نِعم دافئة

أحيانًا لا نلاحظ نعم الله المتكررة والمستمرة، وفي غمرة الحياة، أو الكسل، ننساها، ننسى اللحظات الدافئة التي تغمرنا نتيجة فعل ما، فنتكاسل أو نغفل عنه. وعندما نحصي الأشياء التي نمتن لوجودها كل يوم، فإننا ننتبه للنعم التي حبانا بها الله، فنحافظ عليها، ونتخذها عادة تضيف إلى حياتنا السعادة والهناء. ذهابنا إلى أروما ذلك اليوم كان استثنائيًا، كان ليلة من الزمن القديم، جمعت بين السعادة الوقتية، وبين الإشباع الروحي الذي نستقيه من أوقات غنية مع أناس نحبهم ونهتم لأمرهم، هذا الإشباع الروحي المتبادل بين جميع الأطراف هو أفضل ما يمكنك الحصول عليه وتذكره فيبقى أثره لوقت طويل.

ودعنا بعضنا بالقبلات بعد ليلة سعيدة، بهيجة، كما الليالي القديمة، بقلوب تخفق بحب الأخوات وبنات الخالة العزيزات. أكتب هذه التدوينة بعد أسبوعين من تلك الليلة، ولازلت أشعر بنورها يشع من عقلي وقلبي وروحي التي تهتف في سرها: الله لا يحرمنا من بعض.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s