شخصي

رحل بسلام

رأيته اليوم أيضًا في منامي. لم يتحدث، ولم يوصني، ولم يخبرني بأي شيء، لكنه كان ينصت إلي بابتسامة هادئة وأنا أخبره عن ألمي وحزني لفراقه. كنت أبكي ودموعي تتدفق بحرارة، ويده تطبطب على كتفي برفق مطمئن.

في كل عيد، تجتمع عائلتي في بيت عمي للغداء، ومنذ أن تزوجت أصبحت أذهب لبيت حماي مع زوجي والأولاد. في كل عيد يدعونا عمي للغداء في بيتهم، وأعتذر لهم بأننا سنتغدى في بيت عائلة زوجي ثم نأتي إليكم بعد الغداء. في هذا العيد شاءت الظروف أن نجيب دعوة عمي، لنتناول الغداء معهم لأول مرة منذ 24 عامًا.

في اليوم الثاني مكثنا في البيت لوجود اشتباه بإصابة أختي بكورونا، وعندما ظهرت نتيجة التحليل سلبية قررنا وأخواتي البنات الخروج لتناول الغداء معًا في أحد المطاعم. وفي اليوم الثالث لم نستطع الجلوس معًا في نفس المكان بسبب الإجراءات الاحترازية؛ لكننا اجتمعنا بعدها في بيت والدي. بينما نحن هناك يرسل لي رسالة يقول فيها أننا تأخرنا، ويسألنا متى ستعودون إلى البيت؟ وأرد عليه بـ: عاده، لا زال الوقت مبكرًا.

عدنا إلى البيت بعد أن نام، ولما استيقظت مسرعة إثر مكالمة هاتفية من ابني يطلب مني أن أوافيه إلى المستشفى، ظننته أصيب في حادث سيارة، ثم عندما أكد لي أنه لم يكن كذلك، قلت لا بد أن الدخان أثر على تنفسه مثل المرة الماضية. ارتديت ثيابي وتوضأت وغادرت البيت مسرعة في سيارة أجرة، يستقبلني ابني أمام باب غرفة الطوارئ واجمًا، ثم يغادر المكان، لأجد فريق الطوارئ الطبي مجتمعين حوله ويتناوبون في تدليك قلبه الذي يتوقف نبضه عندما يتوقف التدليك. لمست قدمه فإذا بها باردة كالثلج، فجمعتُ كلتا يداي أنفث فيها زفير تنفسي الحار لأدفئ بها أقدامه على أمل أن يستجيب قلبه بسرعة قبل أن تكسر تلك الممرضة الغليظة أضلاعه. وفجأة تم إطفاء الأجهزة ليعلن الطبيب ساعة الوفاة دون أن أفهم أو أستوعب ما يفعله، أقول له: “هييه هييه استنى ايش تقول أنت؟” فيقول لي ” ألم تري؟ لقد حاولنا إنعاشه ساعة كاملة دون جدوى.” ثم يغادر المكان ويتركني مع جسد زوجي المسجى أمامي ذاهلة.

كنتُ حزينة لأنني لم أستطع توديعه، فقد رأيته عند الظهيرة، ثم غبت عنه لأتفاجأ برحيله صباح اليوم التالي. علمت ممن أثق بعلمه أن الروح تأبى الرحيل في حضور محبوبها، فتظل متمسكة بالحياة لأجل من تحب، وأن عدم وجودي بجواره عند حلول ساعته لربما كان خيرًا له. ليرحل عن هذه الدنيا بسلام. لم يقل لي أنه ذاهب، ولم أقل له إلى اللقاء، لكنني أستودعه الذي لا تضيع ودائعه.

تقول صديقتي أن أيام العزاء شرعت كي ينشغل أهل الراحل بالمعزين وبطقوس العزاء، فيمر الوقت، وهو كفيل بتخفيف وقع الصدمة. أتفهم منطقها، لكني كنت بحاجة للبقاء وحيدة، لأستوعب وأتشرب وأعيش حزني كاملاً دون تخفيفٍ أو تسكين. فكرتُ أن أقرأ حول الفقد، كانوا يقولون ربما تتاح لك الفرصة لعمل أشياء تحبينها لم تكوني تستطيعين القيام بها أثناء حياته، لكنه –رحمه الله- لم يكن يعترض على رغباتي ولا اهتماماتي ولا نزواتي المفاجئة، ولم يكن وجوده يشكل أي عائق لي في تجربة ما أود، خفيفًا عاش، وخفيفًا رحل.

في رمضان السابق لرحيله قال لي: “لقد عشتِ معي أكثر مما عشتِ مع أبيك وأمك، لذا فأنا أفهمك أكثر منهما.” سمع أغلبكم عن الحب، وربما عاشه بعضكم، لكن الشراكة في الحياة قل أن نسمع من يتحدث عنها أو ينصفها. السكن، والمودة، والرحمة. أن تشعر أنه وطنك، وأنك وطنه، أن تعرفا أنكما بأمانٍ معًا، وألا تطيب الحياة بدون وجودكما في نفس المكان. أنكما في سفينة واحدة تشتركان في إدارة دفتها تحت السماء الصافية، ومع الرياح العاتية. وسواء هدأت أمواج البحر أو ثارت، فأنتما معًا تعيشان صفو الحياة وحلوها، وتقاسيان مر الزمان وقسوته، تبعدان عن بعضكما، تغضبان من بعضكما، وتختلفان في كل أمور الحياة، إلا أنكما تتفقان على أن تسيرا معًا في نفس الطريق، وعلى نفس المركب.

مر اليوم 36 يومًا على رحيله. لا أعرف متى سيأتي الوقت الذي أستوعب فيه أنه رحل بالفعل. أدعو له كل ليلة، وأقرأ من مصحفه ما تيسر لأهب ثواب قراءتي لروحه. أراه في مناماتي بين الحين والآخر، يوصيني بابنته الصغيرة، ويرسل رسالة عن طريقي لابنته الكبيرة، ويطمئنني أنه بخير، وأننا سنكون بخير.

تصور عبدالله الرويشد

14 تعليق

  1. عظم الله أجرك، والله يغفر له ويرحمه ويجعل قبره روضة من رياض الجنة، وخفف الله عنك
    إنا لله وإنا اليه راجعون

    إعجاب

  2. عظم الله أجرك وملأ قلبك بالصبر والسلوان، أسأل الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته وأن يكون اللقاء الخالد في الفردوس الأعلى يا رب.🤲
    دمعت عيني وكأن من مات عمي أنا، الطيب وإن غاب جسده لا تغادر روحه وريحه👌

    إعجاب

  3. إنا لله وانا اليه راجعون
    الله يرحمه ويغفر ذنبه ويجعل الجنة داره ويربط على قلوبكم ويرزقكم الصبر والسلوان

    إعجاب

  4. لاحول ولا قوة إلا بالله …
    عظم الله أجرك وأحسن الله عزاكم ، الله يغفر له ويرحمه ويرزقكم الصبر والسلوان اللهم آمين
    الموضوع صعب لكن تذكري عزاءنا بفقد نبينا و أقرئي للبنى الخميس عن الفقد لو القراءة تساعدك .. كان الله في عونك و الله يبرد قلبك ويجبر خاطرك ..

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: