أربع بنين

في أول يوم دراسي اجتمعنا نحن الأمهات في آخر الفصل، وجلست بناتنا في مقاعدهن. بينما المعلمة ، وهي بالمناسبة جَدَّة، ترحب بناوتعرّف بنفسها وبأسلوبها في التدريس والتعامل مع الطالبات تتغامز بجانبي سيدتان سخرية من المعلمة. ساءني ما سمعت، لكنني لم أتدخل. ثم وأثناء خروجي رافقتني إحداهما وبدأت تتحدث بأسلوب مهذب. فكرت أنها ربما لم تقصد الإساءة للمعلمة لكنها جاملت جارتها في الضحك.

في نهاية الفصل الدراسي وبعد ظهور نتائج الطالبات أرسلت إحدى الأمهات مقطع فيديو لابنتها وهي ترقص على أنغام أغنية نجاح، سعيدة بانتقالها للصف الثاني. هذه الفتاة لديها اضطرابات سلوكية تجعلها تعتدي أحياناً على بعض الطالبات في صفها. معظم الأمهات تعاطفن مع الفيديو، ودعين لها بالسعادة والفرح والتوفيق، ثم أرسلت الأم رسالة تعتذر عن ابنتها التي أرسلت الفيديو دون علمها، أما تلك الأم التي كانت تسخر من المعلمة فقد علّقت على الفيديو ساخرة: “وتستمر الحياة”.

“طلبت الصلح والهدنة، وخلي ما يريد الصلح باشرنا بطلق النار”.

في حديثٍ لي مع والدي ذكر المثل الذي أسمعه لأول مرة: “جُد وغيرك يخبر، وافسل وغيرك يخبر”، ومعناه أن الناس لا تترك أحدًا في حاله، فافعل ما تراه مناسبًا لك، لأن الناس في كل الأحوال ستتكلم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. أما أنا ففسرته بطريقة مختلفة قليلاً، وقلت أن أفعال الإنسان تتحدث عنه، والناس تتناقل الأخبار، فمن يفعل الخير فسيناله الذكر الحسن. ومن يفعل السوء فسيعلم الناس فساده، والرحلة الطويلة مع أشخاص جدد مهما كانت التفاعلات بينهم قصيرة، إلا أنها لابد أن تنبئ عن صفاتهم وأخلاقهم. فالشخص الطيب سيظل طيبًا، أما الذي يتظاهر بالطيبة والصلاح فلن يصبر طويلاً على غير ما اعتاد عليه. وهكذا في كل أمر، وعندما تصلح نيتك، وتكون أهدافك نبيلة وخالصة لوجه الله لا رغبة في شهرة ولا طمعًا في مكانة لست أهلاً لها، فإن التوفيق يصبح حليفك.

“ضيّع ودّنا وغدر بي الغدّار، كأن ماشي جرى أو صار، كأن الحب في ظنه حكاية عابرة وأخبار”.

تعرفتُ مؤخرًا على أغنية للمحضار يقول فيها: “طلبت الصلح والهدنة”، شغلتني كلمات الأغنية ووددتُ لو أعرف مناسبتها والسياق الذي قيلت فيه، ثم نسيتُ الأمر حتى وصلتني قبل أسابيع نشرة عبدالرحمن جابر البريدية وأقتبس عنه: “تعثرت بهذه الأغنية الحضرمية مؤخرًا، من كلمات حسين المحضار، لم أسمعها من قبل رغم أن كثيرين غنوها من ضمنهم كرامة مرسال وعلي بن محمد”.

أعادتني كلمات عبد الرحمن إلى الوراء، فراجعت رسائل والدتي -رحمها الله- ووجدت أنني في 16 مايو 2025 أرسلت لها رابط الأغنية في جلسة خاصة يغنيها علي بن محمد بحضور الشاعر المحضار، وطلبت منها أن تسأل صديقتها عن قصة الأغنية.صديقتها (اللي يصير المحضار عمها) قالت إنها أول مرة تسمع الأغنية، ولكنها ستسأل ابنته لكن ابنته كذلك لم تكن تعلم.

عُدتُ إلى الأغنية التي خلبت لُبّي من أولها لآخرها، ولفتني أنه يقول فيها: ” أنا سايره بالبنّة، وهو يشقع يلقي كل شقعة وار”، يا رباااااه!! على قولة فارس عوض المعلق الإماراتي الشهير، هل استخدم المحضار “حبة البن” كوحدة قياس جديدة؟ وهل هو مبتكرها أم هي وحدة قياس محلية معروفة؟

بحثتُ عن أصل الكلمة بحماس، وما هي إلا هنيهة حتى أُصبتُ بخيبة أمل، فالمقصود “بِنّة=بنانة” وليس “بُنّة=حبة البن”، ومقدار البنانة عرض الإصبع أو 1 سم تقريبًا، وأستخدمها –أنا شخصيًا- كما يستخدمها كثير من الناس. لكنني لم أعد من بحثي خالية الوفاض، فقد وجدتُ مثلاً عجيبًا جميلاً مبتكرًا يتداوله أهل حضرموت، فيقولون: “بين الصدق والكذب أربع بنين”، والبنين جمع بنان، أما المقصود بالمثل أن الكذب تسمعه بأذنك، أما الصدق فما تراه عينك، وبين الأذن والعين مسافة تقدر بأربعة بنانات. وفي هذا المثل وفكرته العبقرية بعض العزاء.

“أنا عارفه في سِنّه، صغير السن لكنه من الشُّطّار”.

كانت الخمس سنوات الماضية مرحلة تغير كبيرة في حياتنا، واليوم تقريبًا أنهى الأولاد المرحلة الجامعية، بقيت فترة تدريب بسيطة لأحدهما، أما الآخر فقد تخرج بتفوق، الحمدلله. امتلأ بيتنا مجددًا، وعدنا للاجتماع على طاولة الطعام، وإلى الغزوات اليومية من الأسئلة والحكايات، وإلى نهايات الأسبوع الحافلة. تذكرتُ تدوينة “خائفًا يترقب” عندما لاحظتُ التغير الذي حدث في شخصيتهما، ولو بقيا كما كانوا عليه من الوداعة ولين العود لشعرتُ بالغضب والحسرة. ومثلما غضبتُ وحزنت قبل أكثر من 10 سنوات عندما تركتُ مدينتي التي أحب، ثم شكرتُ الله لأن ذلك التغيير كنا نحتاجه فعلا كي تستقيم أمور حياتنا بعد فترة ارتباك خطيرة، ها أنا اليوم أعود بعد سنوات لأشكر الله على المحن التي أهدانا إياها، وعلى منعه وعطائه، وعلى لطفه وتوفيقه، سبحانه يستوجب الشكر في كل وقتٍ وحين.

“ونختار الذي يختار، ولا هو حق فزَع منّه، ولكن الهوى أسرار”.

أضف تعليق

بدء مدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑