الحياة والناس

صاحب الرؤية

لأننا كلنا نريد الخاتمة الحسنة؛ فلنرسم طريقنا إليها، نلونه ونزينه ونحمل فيه معنا كل ما يجعل حياتنا جميلة ورحلتَنا ممتعة وثرية.

أسلم على يد الدكتور عبد الرحمن السميط، رحمه الله،11 مليون إنسان. ترك حياة الرفاهية والاستقرار في الكويت، وسافر إلى أفريقيا مع عائلته متنقلا من قرية إلى أخرى، متحملا وأسرتُه لسعاتِ البعوض ونقصِ المياه وانقطاع الكهرباء ليقدم المساعدات والتدخل الطبي اللازم لفقراء أفريقيا دون مقابل. بدأت رحلتُه عندما كان طالبًا ورأى العمال ينتظرون المواصلات التي تقلهم إلى أعمالهم تحت شمس الكويت الحارقة، فجمع هو وأصدقاؤه المال واشترى به سيارة وأصبح هو يقلهم لأعمالهم كل يوم رحمة بهم من الحر الشديد. ومن خلال سلسلة متواصلة من العمل الخيري المستمر تشكلت ملامحَ حياته إلى أن وصل لما كان عليه قبل وفاته رحمه الله.

تحدث ياسر بكر قبل سنوات في سحابته على ساوند كلاود عن الرؤية، بحثت عنها فوجدته قد حذفها، لكن لحسن الحظ فقد فرغتُ السحابة الصوتية في دفتر أحتفظ فيه بالأشياء القيّمة التي أجدها على الإنترنت. يقول في سحابته:

“الرؤية لا تكون رؤية إلا إذا لم يرها أحدٌ غيرك في البداية. من المحتمل أن يقف الناس ضدها، بل قد يصفونها بالجنون، أما إذا اتفقوا معك منذ البداية فهذا يعني أن ما تقوله مجرد فكرة حلوة، وليست رؤية!

مثال على الرؤية:

  • دبي ستنافس العالم. (مدينة مجهولة جوها لا يصلح للسفر تتحول لوجهة عالمية).
  • كوب القهوة بنصف دولار، يسمى بأسماء إيطالية وتبيعه ب3 دولار. (ستاربكس)

صاحب الرؤية حساباته مختلفة عن الآخرين، يعرف أنها رؤية والناس لا يفهمونها لأنهم لا يستطيعون تخيلها مثلما يتخيلها صاحبها. وهذا يجعله شخص عملي، يسعى لها بدلا من محاولة إقناع الغير بها. عندما يتحدث صاحب الرؤية عن رؤيته لا تستطيع أن تتخيلها، لكن بعد شهر أو سنة أو عشر سنوات، عندما تتحقق رؤيته تُصدم، وتفهم أخيرًا ما كان يقول، وتكتشف أن ما كنت تعتبره مستحيلاً أصبح واقعًا الآن، وما كنت تعتقده فاشلاً يصبح ثوريًا، الفكرة المجنونة لم تصبح منطقية فحسب؛ بل صارت هي الشيء المفترض أن يكون.

أتفكر في حياة الدكتور عبدالرحمن السميط، وأتذكر قريبي الدكتور الذي رحل إلى بارئه قبل يومين. هل جميع الأطباء هكذا؟ أتذكر أنني كنتُ في الرابعة من عمري أكبر بقليل أو أصغر بقليل، عندما مر هو وعمتي على بيتنا واستأذنا من والدتي وأخذاني إلى متجر الألعاب الكبير، ذكرى بعيدة ضبابية بدون تفاصيل، لكنني أتذكر سعادتي وأنا أنظر إلى كل تلك الألعاب وأجرب الركوب في السيارات الكثيرة المعروضة في وسط المتجر. ثم أتذكره وهو يزور جدتي في بيتنا، ثم جدة زوجي، ثم أذهب إليه في بيته قبل منتصف الليل بقليل لشد عضلي في منطقة الصدر منعني من التنفس، يحضر حقيبته ويخرج منها جهازًا أو حقنة أو علبة دواء أو ضمادة بحسب احتياج المريض. ورغم أنه لم ينتمِ للعائلة إلا بعد زواجه بعمتي، إلا أنه استدعي إلى كل بيت من بيوت العائلة مرة واحدة على الأقل ليداوي أحد أفرادها؛ ولم يرفض تلبية النداء قط.

عندما يتم قبوله عضوًا في مهنة الطب، يقسم الطبيب قبل مزاولة المهنة القسم التالي: “بسم الله الرحمن الرحيم. أقسم بالله العظيم أن أراقب الله في مهنتي. وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلًا وسعي في استنقاذها من الموت والمرض والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عوراتهم، وأكتم سرّهم. وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلًا رعايتي الطبية للقريب والبعيد، الصالح والطالح، والصديق والعدو. وأن أثابر على طلب العلم، أسخِّره لنفع الإنسان لا لأذاه. وأن أوقر من علمني، وأعلّم من يصغرني، وأكون أخًا لكل زميل في المهنة الطبية في نطاق البر والتقوى. وأن تكون حياتي مصداق إيماني في سري وعلانيتي، نقيًا مما يشينني أمام الله ورسوله والمؤمنين. والله على ما أقول شهيد”.

هل هذا القسم هو ما يجعل الأطباء كذلك؟ أم أن ذلك موجود في فطرته كبشر، واختياره للطب كان لأنه كذلك من قبل أن يصبح طبيبًا؟ هل لأن مهنة الطب قائمة في أساسها على تخفيف معاناة الإنسان بشكل مباشر فنجد أن المعنى والقيمة التي يحسونها في عملهم هي أعظم من المهن الأخرى؟ أم أن الله يسخرهم لخدمة خلقه فتلين قلوبهم وترق أفئدتهم ويتفانون في السعي لتخفيف معاناة غيرهم بتوفيق الله لهم؟

قرأت مرة مقالة تقول أن السعادة ليست جوهر الحياة، فلحظات السعادة في حياتنا عابرة، وبدلا من السعي وراء السعادة كغاية بحد ذاتها، يجب أن نناضل ضد الأمور السيئة، ضد الفقر وضد الظلم والجهل والمرض وضد الأشياء التي تسبب المعاناة للناس.

تزوجت عندما كان عمري 17 عامًا. بعد زواجي بعدة أشهر سألت نفسي: هل هذه هي الحياة؟ ألا يوجد شيء آخر نفعله سوى أن ننام ونأكل ونشاهد التلفاز ونقوم بالأعمال المنزلية؟ كان سؤالي لنفسي استنكاريًا ناتجًا عن خيبة أمل كبرى، فلم أبحث عن إجابة له لأنني كنت أظن أن هذه فعلا هي نهاية الحياة، وعندما أنجبت ابنتي الأولى انشغلت، وانشغالي جعلني أضع ما يدور بداخلي على الرف إلى أن يأتي الوقت الذي أتفرغ فيه. هل يبدو هذا الكلام مألوفًا؟ نعم فمن عادتي أن أفكر أنني يجب أن أكون متفرغة تمامًا حتى أضع أحلامي موضع تنفيذ. وهذا يعني أن المرء كي يحقق أحلامه يجب ألا يتزوج أو ينجب أو يمرض أو يربي أطفاله، لأن هذه الأمور تعترض حياته!

لكن ما هي أحلامي؟ وإذا كنتُ أرى حياتي تعترض حياتي؛ فما هو شكل الحياة التي أحب؟

لن أجيب على هذا السؤال إجابة مباشرة، لكنني أحب أن يكون هناك قيمة عظمى أؤمن بأهميتها، وأسعى لتحقيقها باستغلال قدراتي ومواهبي، وأستمتع بذلك، أن أعمل وأخطط وأبني وأقضي وقتي وجهدي في عمل أمور تخدم هذه الغاية، وأن أبني مجتمع حولها، وأشارك في صنع تأثير حقيقي يتحدى المألوف، ويتجاوز العقبات، ويغير القصة. أن أنام وأنا أشعر بالرضا الكامل المرتاح، عن نفسي، وعن يومي، وعن تصرفاتي، وعن حياتي بأكملها. وأن يسخرني الله لخلقه كما سخر الأطباء، فأنضم معهم فيمن قال فيهم ابن عباس رضي الله عنه:” إن لله عبادًا يستريح الناس إليهم في قضاء حوائجهم، وإدخال السرور عليهم، أولائك هم الآمنون من عذاب يوم القيامة.” 

4 تعليقات

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: